لا نملك إلا الأمل بأن تكون التجربة المريرة وآثارها الوخيمة قد علمت الفرقاء الفلسطينيين أنه في غياب الوحدة الوطنية فإن شيئاً واحداً في انتظار الجميع هو الكارثة: نقول ذلك بعد الإعلان عن «وثيقة تفاهم» بين حماس وفتح لا نعلق عليها الكثير من الأوهام، ولكنها على الأقل تعطى فرصة لاستعادة العقل الغائب ووقف الانجرار نحو المزيد من الانقسام الذي لن يقود إلا إلى الضياع الكامل لكل أهداف النضال الفلسطيني.

فلم يكن من المعقول أن تذهب السلطة الفلسطينية أو ما تبقى منها للتفاوض مع إسرائيل في إطار عملية «أنابوليس» الخائبة، بينما غزة في يد حماس، والعلاقات مقطوعة بين الطرفين، وكل طرف يشكك في شرعية الطرف الآخر.

ولم يكن من المعقول أن يبدأ أبو مازن التفاوض حول حل نهائي يفترض فيه أن يتناول أخطر القضايا في تحديد مصير الشعب الفلسطيني في ظل أضعف وضع يمكن أن يكون عليه الطرف الفلسطيني.. سلطة لا تتحكم إلا في نصف الضفة، ومنظمة تحرير مرفوعة من الخدمة، وانقسام حاد يمزق الوحدة الوطنية الفلسطينية.

وسيطرة حماس على غزة لم تؤد إلا إلى اشتداد حصار التجويع والبطالة والفقر من ناحية، وتصاعد حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل من ناحية أخرى، وسيطرة فتح على الضفة لم تمنع الأخطر.. وهو استمرار مخطط الاستيطان في القدس والضفة، واستمرار إقامة الجدار العازل، والمضي قدماً في فرض الأمر الواقع في ظل أفضل ظروف يمكن أن يحلم بها العدو الإسرائيلي، وأسوأ ظروف يمكن أن يمر بها الشعب الفلسطيني.

ففي غزة.. كان التصور يوم أن دخلت «حماس» إلى العملية السياسية ولتفاجأ بانتصارها الكبير في الانتخابات، إنها ستنقل روح المقاومة إلى جسد السلطة الذي كان ترهل على أيدي فتح.. الآن، وبعد الاستيلاء الكامل على السلطة في غزة من جانب «حماس» يبدو الأمر في حالة عبثية فلا قدرة على المقاومة كما كان الأمر قبل ذلك، ولا انخراط في العملية السياسية بكل ما تفرضه من التزامات.

وفى الوقت الذي تخوض فيه «حماس» معارك متواصلة للحفاظ على «السلطة» أدخلتها في مواجهات لم تقتصر على «فتح» بل امتدت لتشمل كل الفصائل تقريباً، كان مواطنو القطاع يواجهون أسوأ ظروف معيشية يمكن تصورها وكانت المذابح الإسرائيلية تتواصل بلا انقطاع.

وفى الضفة... كانت الرغبة في الثأر مما حدث في غزة، تواكبها ضغوط خارجية تدفع في طريق تعميق الانقسام، وتعد «أبومازن» بالدعم الكامل إذا استمر في القطيعة مع «حماس»، وبينما كان البعض يدرك مخاطر هذا الطريق، كان البعض في السلطة يراهن على أن القطيعة تطلق يد «أبومازن» في التحرك، وتمنحه حرية الحركة في التفاوض حول التسوية التي اكتشف الرئيس الأميركي فجأة ضرورتها بعد سبع سنوات من التجاهل التام للقضية الفلسطينية!!

وفى هذا الإطار تمت محاصرة الجهود العربية التي بذلت لرأب الصدع، وفى هذا السياق ذهب أبومازن إلى أنابوليس وذهب معه العرب جميعاً، وعاد ليدخل المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين. ورغم المظاهر السلبية، فمازال أبومازن يراهن على الدعم الأميركي لعملية التفاوض، وعلى حاجة الرئيس الأميركي لإنجاز ما على الجبهة الفلسطينية..الأمر الذي يدفعه لزيارة المنطقة لتجديد دعمه لـ «رؤيته» حول حل الدولتين.

ومع ذلك، فسوف يبقى التساؤل: أي حل، وأي دولتين.. في ظل ما يحدث على أرض الواقع؟ وأي مصير يرتجى من مباحثات تدور بينما إسرائيل تعلن عن مشروع استيطاني جديد في القدس، وتواصل مذابحها اليومية ضد الشعب الفلسطيني، ورئيس وزرائها ينسف عملية التفاوض بمجملها بالتأكيد على اللاءات الثابتة في سياسة حكومة: «لا» لأي حديث عن القدس.

و «لا» لحق العودة للاجئين الفلسطينيين، و«لا» لأي التزام بالعودة لحدود 67.. ثم يزيد على ذلك شرط الاعتراف بـ «يهودية» الدولة الإسرائيلية، بكل ما يحمله من مخاطر ليس فقط على حقوق اللاجئين، بل على مستقبل عرب 48 المتمسكين بأرضهم.

في هذه الظروف المعقدة تبدأ المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والإسرائيلية، وهى مفاوضات لا يمكن أن يكون لها قيمة إلا إذا كانت الخطوط العريضة للتسوية المقترحة قد تم وضعها بالفعل من جانب الإدارة الأميركية، ليبقى التفاوض على التفاصيل المعلقة، وبدون ذلك لا أظن أن الإدارة الأميركية يمكن أن تضع ثقلها وراء العملية من أساسها، ولا أن يأتي الرئيس الأميركي إلى المنطقة للدفع في طريق إنجازها.

وبدون ذلك يصبح من العبث انتظار أي نتيجة للتفاوض بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، ليس فقط بسبب تعارض المصالح والتوجهات، ولكن أيضاً بسبب الخلل في موازين القوى الذي يحيل عملية التفاوض إلى عملية فرض للشروط من جانب، وقبول للتنازلات الخطيرة من جانب آخر.

والمشكلة هنا تقع في موقف الإدارة الأميركية ذاتها، ففي مثل هذا الموقف لابد من حد أدنى من الموضوعية، وعدم الانحياز.. وهو أمر لا يتحقق على الإطلاق في موقف الإدارة الأميركية التي لا تخفي انحيازها الكامل لإسرائيل، والتي تضع «رؤية» الرئيس الملهم بوش حول الدولتين باعتبارها الحل الأمثل لمشكلات إسرائيل وليس لضمان الحد الأدنى من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني..

فالدولة الفلسطينية الموعودة ليست هي الدولة التي تقوم على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً للموقف العربي المستند على الشرعية الدولية، وإنما هي الدولة القابلة للحياة، التي تأخذ في اعتبارها التطورات على واقع الأرض كما «بشرنا» الرئيس الأميركي..

أي تعترف بالمستوطنات في الضفة ولا تتحدث عن القدس. ثم هي الدولة التي تكون لكل الفلسطينيين حتى ولو قامت على نصف الضفة وغزة، لتترك باقي فلسطين لتكون «دولة يهودية» باعتراف الفلسطينيين والعرب والعالم أجمع.

هكذا يدخل أبومازن عملية تفاوض محكوم عليها بالفشل، وقد يرى في إعادة القضية إلى بؤرة الاهتمام العالمي خطوة إيجابية، وقد يرى في استعادة الموقف العربي الداعم للقضية إنجازاً، وقد يرى أن التأييد الدولي الذي يحيط بعملية التفاوض أمر مهم..

ولكنه يعلم أن موازين القوى هي الأساس، وان الضغط الأميركي هو الذي كان وراء ذلك، وان الهدف ليس التسوية العادلة بل خدمة الأوضاع الأميركية في العراق وفى المنطقة، والاستعداد لمواجهات تستدعي تأييداً عربياً لا يمكن أن يتوافر في ظل موقف أميركي معادٍ للعرب على طول الخط.

في ظل هذه الظروف تأتى التطورات الأخيرة على الجبهة الداخلية الفلسطينية، ويأتي الإعلان عن «وثيقة التفاهم» بين حماس وفتح، ورغم أنها مجرد تفاهم مبدئي على نقاط أساسية للتفاوض، فهي ـ على الأقل ـ تفتح أبواباً للحل كانت مغلقة، وتوقف التردي في الأوضاع الداخلية والدفع إلى تكريس الانقسام، وتعطى فرصة للتفكير العقلاني في الخروج من الأزمة التي أوصلت الوضع الفلسطيني إلى أسوأ حالاته ربما منذ النكبة الأولى قبل ستين عاماً.

لكن الخروج من الأزمة الحالية لا يمكن أن يتم بنفس الأساليب التي تمت في أزمات سابقة، ولا بنفس «التفاهمات» التي أثبتت التجربة أنها لا تساوي شيئاً أمام الصراع الأعمى بين «حماس» و«فتح» على سلطة وهمية لا تملك من أمرها شيئاً!! فالثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني هذه المرة كان فادحاً، والضرر الذي لحق بالقضية لا يمكن إصلاحه بتبويس اللحى والعناق الذي لا معنى له والتصالح على أساس اقتسام السلطة أو المصالح.

لا الوضع الفلسطيني يتحمل، ولا الشعب الفلسطيني سيسمح.. لأن إعادة إنتاج المصالحة لن تعني إلا إعادة إنتاج الأزمة وإلا الإقرار بأن التجربة الأليمة لم تعلم أحداً. وثيقة التفاهم قد تفتح الأبواب المغلقة للحوار، ولكن الحوار لا يمكن أن يكون مقصوراً على فريقين صنعا الأزمة، بل ينبغي أن يكون حواراً عاماً تشارك فيه كل فصائل الشعب الفلسطيني، ويتجاوز الصراع بين المنظمات إلى إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية وفق برنامج جديد للعمل الوطني يلتزم به الجميع.

كاتب صحافي مصري