محت إسرائيل صفحة أنابوليس التي عول عليها البعض كثيراً في إحداث خلخلة وتحريك للحائط المسدود أمام مسار التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، وشكل اللقاء غطاء أطلق يد تل أبيب في شن الغارات على غزة وسفك المزيد من الدماء الفلسطينية، إضافة إلى الحصار الخانق الذي حول سكان القطاع إلى رهينة كارثة إنسانية، لا تكف المنظمات الدولية عن التحذير من تداعياتها الظالمة عليهم.
الأمر لم يقتصر على تجويع سكان القطاع وسفك دمائهم بغارات متواصلة، بل وضعت إسرائيل المزيد من المداميك في بناء المستوطنات التي تحاول من خلالها فرض واقع جغرافي جديد على الأرض، يكون لصالح الإسرائيليين، وورقة مساومة للحصول على المزيد من التنازلات من الجانب الآخر.
هذه المرة لم يقف الأمر عند حدود مستوطنة في الضفة أو شمال قطاع غزة بل تنشيط الاستيطان في قلب القدس المحتلة من اجل قطع الطريق على الجانب الفلسطيني للمطالبة بما لا يتجاوز الدلالة الرمزية للمدينة المقدسة في مفاوضات ما يسمى الوضع النهائي.
وأمام فتح إسرائيل الطرق للجرافات والرافعات لتثبيت الاستيطان فوق جبل أبوغنيم، اكتفت واشنطن باستخدام كلمات الإدانة المكذوبة، التي تأتي ذراً للرماد في العيون، ليس إلا، فيما المباركة تتم من تحت الطاولة، لكل خطوة تعطي إسرائيل المزيد من الوقت لأعمال مخططها في التهام المزيد من الأراضي الفلسطينية.
الآن ولمزيد من إضاعة الوقت جرى الانتقال بالحديث ليس عما نتج عن لقاء أنابوليس من نتائج على الأرض، بل دخلنا مرحلة تسويق المزيد من اللقاءات التي لا تقدم ولا تؤخر. وسنشهد في المرحلة المقبلة كلاماً كثيراً وتحليلات عديدة عن «مؤتمر سلام الشرق الأوسط» المزمع عقده في العاصمة الروسية موسكو مطلع العام المقبل.
وستخرج أصوات من هنا وهناك تعرب عن دعمها لمؤتمر موسكو، كما جرى الأمر مع لقاء أنابوليس، وكأن المطلوب الإشادة والدعم للقاءات تلفزيونية، تكون محصلتها تجميل وجه إسرائيل القبيح، قبل أن تعود تل أبيب مجدداً إلى سابق عهدها في قتل وتشريد المزيد من الفلسطينيين.
برعت إسرائيل في استغلال الوقت لتمرير خططها، وفرض أجندتها على الآخرين، فيما برع البعض في إعطائها الفرصة تلو الأخرى، لتنفيذ ما تريده، من دون أن يحاول هذا الطرف التعلم من الأخطاء، وكأنها دائرة مفرغة يصعب كسر حلقتها.
فمنذ مؤتمر مدريد والعديد من اللقاءات والمؤتمرات التي عقدت هنا وهناك حتى لقاء أنابوليس، لم يشهد أي تغيير على الأرض يعطي الفلسطينيين أي بارقة أمل في جدية الإسرائيليين للوصول إلى حل نصف عادل ولا نقول عادلاً. مجرد تسويف وخلق للعراقيل تلو الأخرى، أمام الجانب الذي اختار مسار التسوية، فيما الحصار والاغتيالات والغارات من نصيب من تحصنوا بغزة ورفضوا القبول بلعبة التفاوض العبثية.
وبالتالي لا يجب التعويل كثيراً ولا قليلاً على مؤتمر موسكو المنتظر، لأن اللعبة ذاتها، وبالقواعد نفسها، هو ما سنشاهده: حشد إعلامي، وتصريحات من هذه العاصمة أو تلك عن ضرورة أن يخرج اللقاء بنتائج ايجابية يمكن التعويل عليها في المستقبل، من اجل الوصول إلى حل نهائي لصراع ممتد منذ أكثر من ستين عاماً، ومراوغات إسرائيلية، للالتفاف على أية ضغوط قد تواجهها من الطرف العربي أو الفلسطيني، طالما بقيت الورقة الأميركية تلعب لصالحها.
لقاء موسكو- إذا عقد ولم يفشل قبل أن يبدأ -، فسحة جديدة للقادة الإسرائيليين لترتيب المزيد من الأوراق على الأرض، بما يصعب معه المطالبة بالقدس وعودة اللاجئين، أو إحداث تغييرات ذات قيمة على الحدود والاستيطان، أو تحريك جدار الفصل العنصري سنتيمترات محدودة عند هذه القرية الفلسطينية المشطورة أو تلك التي مزق الاحتلال نسيجها الجغرافي والاجتماعي، ولا شيء غير ذلك.