القمة الإفريقية الأوروبية الثانية التي انعقدت في لشبونة يوم الأحد الماضي تأخرت أربع سنوات عن موعد انعقادها باعتبار ان القرار في القمة الأولى التي عقدت في مصر عام 2000 يفترض ان تعقد القمة كل ثلاث سنوات.

هذا التأخير الواقعي حمل دلالات كثيرة ومعبرة عن افتقاد الزخم الضروري لإنجاح القمة في الحد الأدنى الممكن والمعقول ووجود خلافات بين الطرفين ولكن أيضاً ضمن كل كتلة من الكتلتين الإفريقية والأوروبي، والأهم من ذلك غياب البوصلة المشتركة التي يفترض ان تشكل الاتجاه الذي تعمل له القمة. أسباب عديدة وراء هذا الاهتمام بدبلوماسية القمة الإقليمية المتعددة الأطراف.

أولاً: انشغال وقلق أوروبي من الدخول الصيني القوي إلى إفريقيا بحيث وصف أحدهم الوضع بأن هنالك «تصيين» للاقتصاد الإفريق، فإفريقيا صارت الشريك التجاري الثالث للقارة السمراء ودخولها إلى تلك القارة أسهل بكثير من الاستمرار أو العودة الأوروبية.

وسبب ذلك انه لا توجد خلفيات استعمارية في العلاقة بين الطرفين وان الصين الشعبية لا تتدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول ولا تعطيها دروساً أو نصائح في كيفية إدارة شؤونها ولا تربط المساعدات بالشأن السياسي.

ثانياً: ان هنالك 40% من الأفارقة الذين يعيشون بأقل من دولار في اليوم مما يدل على الوضع الاقتصادي المزري الذي تعيشه القارة السمراء والتي تعتبر ان هنالك مسؤوليات أوروبية خاصة لمساعدتها بسبب التاريخ الاستعماري لأوروبا، وللتذكير فان الاتحاد الأوروبي يبقى الشريك التجاري الأول لإفريقيا مع حجم تبادلات تصل إلى 215 مليار يورو مقابل 30 مليار يورو للصين، وأن أوروبا تقدم مساعدة للتنمية بحدود 35 مليار يورو عام 2006 وانها التزمت بعشرة مليارات يورو سنوياً كمساعدات ابتداءً من 2010.

ثالثاً: هنالك خصوصية للعلاقات الأوروبية الإفريقية تحكمها العلاقات التاريخية الاستعمارية والمصالح المتداخلة والمتشابكة وتؤثر فيها دائماً «لعبة» تبرئة الذات وتحميل المسؤولية للآخر فيما يتعلق بالحالة التي تعيشها إفريقيا. الأفارقة يحملون الاستعمار مسؤولية التشوهات التي تعيق التنمية، والأوروبيون يقولون «انكم تهربون من مسؤولياتكم في الحاضر وتجاه المستقبل»: مسؤوليات الإدارة السيئة وما يرافقها من سلبيات في الحكم لتحميل التاريخ هذا الأمر.

ويكفي لخلاف صغير بين الطرفين لأن يأخذ بعداً رمزياَ كبيراً صالحاً لتشويه حقيقة الخلاف ولتصعيده إلى درجة غير معقولة أحياناً. رابعاً: هنالك مشكلة مشتركة ذات تداعيات أمنية في مختلف أبعاد الأمن بالنسبة للطرفين سببها تزايد الأزمات في إفريقيا، الأمر الذي يخلق بيئة طاردة للناس وبالتالي نموذجية للهجرة الضاغطة باتجاه أوروبا، وهنالك ازدياد من مخاوف الهجرة اللا شرعية التي مصدرها القارة السمراء إلى أوروبا عبر البوابة المغاربية بشكل خاص والتي تستدعي معالجة مشتركة من الطرفين.

هذه بعض العناصر الأساسية التي تشكل البيئة الحاكمة والضاغطة على العلاقات بين إفريقيا وأوروبا. إفريقيا التي يعترف الأوروبيون بلسان رئيس المفوضة الأوروبية خوسيه باروسو بأنها صارت مسألة جيو استراتيجية أساسية على المسرح الدولي بعد ان حل التنافس الاقتصادي مكان الانقسام العقائدي في عملية الاصطفافات الحاصلة بعد نهاية الحرب الباردة.

وقد اعترف باروسو بأن هنالك مسؤولية مشتركة تخص الجميع فيما يتعلق بالتنمية والاستثمار والتعاون في إفريقيا. جاءت القمة، قمة لشبونة تحت عنوان إقامة علاقات استراتيجية: علاقة الند للند لكنها ككل قمة يبقى الطابع الاحتفالي و«العتابي» والخطابي وخاصة ذلك الذي يوجهه كل طرف إلى جماعته حاكماً بشكل أساسي لهذه الدبلوماسية الجماعية التي شاركت فيها ثمانين دولة.

صحيح انه كان هنالك اتفاق على عناوين رئيسية لمواضيع أو محاور خمس تشكل أركان هذه الشراكة الاستراتيجية وهي للتذكير الأمن والسلم، الديمقراطية وقضايا حقوق الإنسان، التجارة والتنمية، التغييرات البيئية والطاقة، ثم الهجرة والعمل.

لكن هذه تبقى عناوين لمحاور يفترض ان تطلق القمة ورشة عمل سياسية وفكرية حول كل منها بين الطرفين أو تحديداً ان تطلق مسارات حوارية بغية بلورة مجالات تعاون ومقاربة مشتركة تعطي مضموناً لكل من هذه العناوين أو المحاور.

لن يكون ذلك بالأمر السهل ولكنه أيضاً ليس بالأمر المستحيل، ولو كما يقول بعض المراقبين من الطرفين ان المهم عدم التراجع أو الخروج عن السكة: سكة القطار الذي يفترض انه انطلق مجدداً مع هذه القمة أمام أول حاجز صعب والحواجز الصعبة ستكون كثيرة في الرحلة التي يفترض ان تجمع بين الطرفين. نعطي في هذا الخصوص ثلاثة أمثلة تحمل الكثير من الدلالات في القمة.

أولاً، موضوع اتفاقية الشراكة الاقتصادية والضغوطات التي مارستها أوروبا لينطلق تفعيل هذه الشراكات من بداية العام المقبل من خلال إقامة مناطق تبادل حر وبالتالي إسقاط الحواجز الجمركية التي تقيمها إفريقيا أمام السلع الأوروبية.

وللتذكير فان نسبة اسهام مردودات الجمارك تتراوح بين خمس وثلاثين وسبعين بالمئة من موازنات الدول الإفريقية، وبالتالي عدم قدرة الاقتصاد الإفريقي على الدخول السريع في لعبة تحرير التجارة وتحمل الصدمات «الاقتصادية» وتداعياتها الاجتماعية والسياسية.

وفيما ركزت المقاربة الأوروبية على محاولة استفراد كل دولة على حدة لتوقيع هذه الاتفاقيات رد الأفارقة بأن المطلوب الذهاب إلى أبعد من التفاوض مع المجموعات الإقليمية الفرعية الإفريقية للتفاوض مع الكل.

كما ان الأفارقة في السياق ذاته وكما ذكر رئيس السنغال اقترحوا فصل التجارة عن المساعدات وعلى إدارة الأخيرة بشكل مشترك واقترحوا أيضاً على سبيل المثال نقل الصناعات الأوروبية إلى إفريقيا لسبب انخفاض كلفة الإنتاج بغية تمكينها من التنافس مع الصناعات الصينية والهندية التي تغزو الأسواق الإفريقية.

هذه بعض الأفكار التي بالطبع لم تلاق ترحيباً فعلياً من الأوروبيين. النقطة الثانية تتعلق بموضوع الهجرة حيث يعتبر الأفارقة ان أوروبا من خلال عنوان الهجرة الانتقائية تريد سلب العقول العلمية الإفريقية التي تشكل الرافعة التنموية للدول الإفريقية وإقفال الباب أمام كل أنواع الهجرات الأخرى، فيما يحاول الأوروبيون الاختباء وراء الشأن الأمني وانخفاض الحاجة بعد التوسع الأوروبي إلى عدد كبير من الهجرة الجنوبية بغية إقفال الباب أمام الأفارقة.

وثالث هذه النقاط الخلافية كان إصرار الأفارقة على مشاركة رئيس زيمبابوي روبرت موغابي رغم الاعتراضات الأوروبية وتحديداً البريطانية وكان هنالك رد الفعل إفريقي شبه تلقائي دفاعاً عن موغابي وتحت عنوان «عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية» كلما أشار أحد المتحدثين الأوروبيين إلى مشكلة حقوق الإنسان: انها المشكلة المثيرة دائماً، مشكلة التدخل تحت عنوان شرعي ولكنه انتقائي دائماً.

بانتظار القمة المقبلة التي ستعقد في إفريقيا 2010 والتي من المرجح ان تكون في ليبيا باعتبار ان القرار للاتحاد الإفريقي يبقى السؤال قائماً هل تود أوروبا إطلاق عملية لشبونة أسوة بعملية برشلونة الخاصة بالعلاقات الأوروبية المتوسطية.

من حيث شمولية الأهداف أو «السلات» المترابطة والتي تهدف إلى إعادة صياغة علاقات على أسس جديدة لمواجهة التحديات الكثيرة والمتكاثرة، أم نبقى على مستوى العناوين والتمنيات والقمم الموسمية والمؤتمرات فيما يبقى الواقع المرير والمتردي خارج مجال التغيير الأساسي

كاتب لبناني