جميل أن يكون الحاكم متعلما مثقفا متواضعا تربطه بشعبه ومن يعرف من قريب أو بعيد علاقة تسودها المحبة والمودة، يتفاعل مع الجميع، ويسعد لسعادتهم ويسعدون لسعادته، يتبادل معهم التهاني والتبريكات فى المناسبات المختلفة.

وقد طالعنا نبأ حصول صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة على ميدالية الإبداع الذهبية التي تمنح للملوك والرؤساء من المنظمة الدولية للملكية الفكرية (وايبو) و ذلك تقديرا لدور سموه وإسهاماته في ترقية وتطويرالفكر والثقافة و الفنون.

هذا النبأ الذي أصبح حديث الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج، بل والدول العربية أجمع، كيف لا وصاحب السمو حاكم الفجيرة تربطه علاقات متميزة مع فئات المجتمع في تلك الدول بمختلف رموزها الثقافية ولهذه العلاقة الجانب الخاص مع المثقفين والأدباء والكتاب والشعراء والإعلاميين.

ولعل استعراض الجوانب الشخصية لصاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي منذ نبوغه دراسيا في المرحلة الابتدائية في بداية الستينات، وفى مراحل التعليم المختلفة، نجد أنه كان شغوفا بالمعرفة، يسأل عن معلومات خارج المنهج الدراسي، مهتما بالجانب الثقافي، له إسهامات وأنشطة مدرسية متميزة عبرت عن نبوغ مبكر، يقتني العديد من كتب المعرفة، يتردد على مكتبة خالد بن الوليد التي أسسها والده المغفور له الشيخ محمد بن حمد الشرقي.

ومن الواضح أن اهتمام والده بإنشاء المكتبة وتزويدها بالكتب والمجلات جعل الشيخ حمد محبا لهذا العمل الجليل. وقد اكتسب صاحب السمو الشيخ حمد جزءا هاما من ثقافته من خلال مرافقته لوالده ومجالسته في مجلسه العامر بثقافات مختلفة حيث كان والده محبا للشعر ولسماع أخبار العرب لذا كان يستمع بشكل دائم إلى إذاعة صوت العرب التي تبث من القاهرة.

في عام 1967 وبعد إنهاء الشيخ حمد للمرحلة الابتدائية فقد حرص والده لابتعاثه إلى بريطانيا لإكمال دراسته، لذا فقد وجه رسالة خطية إلى وكيل وزارة الخارجية البريطانية يعلمه بتوجه الشيخ حمد للمملكة المتحدة لإكمال دراسته وطلب منه العناية به، ومساعدته في الدخول بمدرسة متميزة والاعتناء به علميا وثقافيا.

وبعد التحاقه بالدراسة في المملكة المتحدة، أظهر اهتماما ملحوظا باكتساب الثقافات المختلفة إلى جانب تحصيله العلوم الدراسية، وذلك من خلال تعدد صلاته وعلاقاته مع الزملاء والأصدقاء مما ساهم في تنوع مصادر العلم والثقافة والمعرفة لديه بجميع فنونها، حيث اتضح حرصه على معرفة كل جديد، وكان للمكتبة المدرسية دور بارز في صقل الجانب الثقافي لشخصيته، وقد أنهى دراسته بتفوق والتحق بمدرسة هاندن للشرطة، وأكمل دراسته في كلية مونز وتخرج منها عام 1970.

بعد عودته وقف ولي العهد بجانب والده يساعده في تصريف أمور الإمارة ومع بداية الاتحاد تم اختياره في التشكيل الوزاري الأول ليكون أول وزير للزراعة والثروة السمكية في الحكومة الاتحادية.

وكانت مهام عمله كولي للعهد ووزير للزراعة والثروة السمكية ورحلاته الخارجية في بدايات حياته العملية صقلت كثيرا من ثقافته ومعرفته لشعوب العالم وثقافتهم وفنونهم وتعليمهم.. وفي عام 1974 تولى الشيخ حمد مقاليد الحكم في الإمارة بعد وفاة والده الشيخ محمد طيب الله ثراه.

فبدأ الحاكم الشاب الطموح مثل والده بالاهتمام بالتعليم وحث أبناء شعبه على الجد والاجتهاد والحرص على التعليم، وكان سموه يقوم بزيارة المدارس وتفقد أحوال المعلمين والطلبة بين حين وآخر، وحرصا منه على استمرار العملية التعليمية على الوجه الأكمل فقد كان يزود المدارس بكل ما تحتاج.

وكان اهتمام الحاكم الشاب بالدور الثقافي اهتماما كبيرا فبالإضافة إلى دعمه وحضوره للأنشطة الثقافية المختلفة التي كانت تقام في الإمارة وجه سموه الديوان الأميري في فبراير 76 بإقامة المواسم الثقافية ودعوة كبار رجال الثقافة والعلم والأدب في الوطن العربي للمشاركة في هذه الندوات والأمسيات والتي خصص لها قاعة في الديوان الأميري، ويحرص الحاكم المثقف أن يكون في مقدمة الحضور إيمانا منه بدور الثقافة والعلم في رقي الأمم و الشعوب.

وقد أبدى سموه اهتماما كبيرا بالإعلام والإعلاميين حيث كان يخصص جزءا من وقته للالتقاء بهم.. اتضح ذلك جليا من خلال اللقاءات الصحفية التي نشرت في الصحف المحلية والعربية والدولية، وكان أبرزها حينما التقى في فبراير 1976 بوفد من الصحفيين الأميركيين من صحيفة لوس انجلوس ومجلة تايم الأميركية، وكذا لقاؤه في مارس 1979 وفدا من صحيفة لوموند الفرنسية وقد أخذ الجانب الثقافي في لقاءاته حيزا كبيرا.

أما في عام 1990 فقد وجه سموه بإنشاء جمعية الفجيرة الثقافية والتي حملت على عاتقها مسؤولية النشاط الثقافي في الإمارة من خلال الندوات والمحاضرات، وتكريم الرواد في المجالات المختلفة من أبناء الإمارة والمتفوقين في المراحل الدراسية المختلفة والحاصلين على الماجستير والدكتوراه وشمل التكريم أيضا كوكبة من رواد الثقافة والأدب في الإمارات أمثال أحمد خليفة السويدي، خالد محمد أحمد، حمد بوشهاب، عارف الخاجة، وغيرهم.

وفي الآونة الأخيرة أصدر صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي حاكم الفجيرة مرسوما أميريا بإنشاء هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام برئاسة نجله الشيخ راشد بن حمد الشرقي لتتولى هذه الهيئة مسؤوليتها الثقافية ولتسهم في إبراز الجانب الحضاري والثقافي لهذه الإمارة الفتية.

وبما أن إمارة الفجيرة تشتهر بآثارها القديمة والتي تعود إلى مئات السنين فقد حرص صاحب السمو الشيخ حمد على الاهتمام بها وأمر بترميمها واعتنى بها حتى أصبحت اليوم من أبرز معالم الإمارات السياحية، تستقبل أعدادا كبيرة من السياح والباحثين، و تأكيدا لاهتمام سموه بهذا النوع من الفنون فقد افتتح سموه أول معرض للمخطوطات العربية القديمة في مايو 1979.

أما في زياراته الخارجية فان سموه يهتم بزيارة مراكز البحوث والتوثيق العالمية، وكذلك فان للمكتبات العالمية الكبرى وقتا يخصصه لزيارتها، ومعرفة الجديد من محتوياتها. بقي عزيزي القارئ أن تعرف أن مكتبة الشيخ حمد الخاصة بالقصر الأميري تحتوي على مجموعة كبيرة من أمهات الكتب في المجالات المختلفة، ويخصص وقتا لقراءتها، ويزود المكتبة بكل إصدار جديد،فظلت المكتبة الخاصة تحتوى على بعض الدوريات العربية وهي متسلسلة من العدد الأول و تصله الأعداد إلى يومنا هذا بانتظام.

وللشيخ حمد هواية ثقافية جميلة وهي جمع العملات التاريخية، فمنذ أن كان طالبا حرص على هذه الهواية والتي من خلالها يتعرف المرء على تاريخ الأمم والشعوب وعلى ثقافتها واقتصادها، وتحتوي مجموعة صاحب السمو الشيخ حمد على عملات تاريخية نادرة لكثير من العصور والأزمنة.

لذا فليس مستغربا على شخصية محبة للعلم والثقافة، باحثة عن المعرفة، ومساندة لكل ما من شأنه أن يدعم العلوم والآداب وينميها، ليس مستغربا، أن تحصل على هذه الجائزة الرفيعة من منظمة ثقافية عالمية، تعنى بالثقافة بالدرجة الأولى، وتراقب اهتمامات الصفوة من ملوك وحكام ورؤساء باعتبارهم رعاة الفكر والثقافة في بلادهم.

ولعلنا نتقدم بأسمى آيات التهاني والتبريكات لحضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي، على هذا الانجاز العالمي في مجال الفكر والثقافة متمنيا لسموه موفور الصحة والسعادة، ودوام التقدم لدعم المجالات الثقافية والمعرفية في الدولة.

كاتب إماراتي