الآن وقد سمعنا الكثير من التصريحات من الجنرال ديفيد بترايوس والسفير الأميركي لدى بغداد رايان كروكر والرئيس الأميركي جورج بوش ويبدو أن زيادة القوات الأميركية في العراق قد توجت بالنجاح، النجاح في ضمان أن الحرب في العراق سوف تمتد عبر الـ 16 شهراً الأخيرة من رئاسة بوش بتكلفة تقدر بـ 1600 قتيل أميركي وبـ 13 مليار دولار شهرياً.

وقد كان مد نطاق الحرب هو الهدف الاستراتيجي الوحيد للرئيس بوش في يناير الماضي عندما جاء بفكرة زيادة عدد القوات الأميركية في العراق من 000. 130إلى العدد الحالي وهو170ألف جندي. وببساطة بالغة فإن صانع القرار الأميركي يريد أن يسلم اتخاذ القرار بإنهاء هذه الحرب التي لا سبيل إلى الفوز بها إلى شخص آخر، أي شخص آخر.

بعد 4 سنوات ونصف السنة من إصدار الرئيس الأميركي الحالي الأمر بغزو العراق في عمل من أعمال الغرور البالغ والجهل القائم على معلومات استخبارات مزيفة وملتوية وبعد التغيير المتكرر في أسباب الحرب وأهدافها مع فشل كل سبب وهدف جديد في إقناع الناس، فإننا سنستمر في هذه الحرب لأن جورج بوش عاجز عن الإقرار بأنه كان مخطئاً، مخطئاً، مخطئاً.

إذا نحينا جانباً كل الأحاديث السعيدة التي سمعناها عن كيف أن الصورة الأمنية في العراق أصبحت أفضل، فإن الحقيقة هي أن زيادة عدد القوات الأميركية في العراق قد منيت بالفشل الذريع، وقد كان الهدف المعلن لهذه الخطوة هو الحصول على مجال لالتقاط الأنفاس بالنسبة لحكومة رئيس الوزراء نوري المالكي المتعثرة وللبرلمان العراقي المشلول لإحراز تقدم باتجاه المصالحة الوطنية.

لقد كانت وظيفة الحكومة العراقية هي استخدام هذه الفسحة لالتقاط الأنفاس، التي تم شراؤها بأرواح الجنود الأميركيين وبمساهمات الخزينة الأميركية، في التراجع بعيداً عن الاقتتال الطائفي والحرب الأهلية، وهو ما أخفقت الحكومة العراقية في القيام به، وقد لا تستطيع حتى أن تجد الاهتمام بالقيام به.

منذ البداية المبكرة طرح كل قائد أميركي في العراق الحقيقة الواضحة وهي أن هذه الحرب لا سبيل إلى الفوز بها عسكرياً ولا يمكن الانتصار فيها عن طريق القوات الأميركية ولا سبيل إلى الانتصار فيها عن طريق التفكير بالتمني وإنما يمكن للعراقيين أنفسهم الانتصار فيها وتعريفهم للانتصار مبني على الأحلام بالانتقام الدموي وبذبح الأبرياء.

عندما يتحدث الرئيس الأميركي عن عودة السلام إلى شوارع بغداد فإنه يخلط بين صمت البيوت الفارغة التي هجرها ساكنوها وبين التطهير الطائفي ويحسبها تقدماً. وهو يخلط بين فصل الشيعة عن السنة وإقامة كل طائفة وراء الأسوار العالية ويحسب أن ذلك تقدماً.

لقد طرد أكثر من 3 ملايين عراقي من بيوتهم وأحيائهم ومضوا إلى المنفى سواءً كان داخلياً أو خارجياً والرئيس الأميركي يسمي ذلك نجاحاً، والرئيس الأميركي واثنان من المصفقين له وهما بترايوس وكروكر يتحدثون مطولاً عن الانتصار في محافظة الأنبار.

كأنما التكتيكات والإستراتيجية الأميركية لها علاقة بما يحدث من تغير مواقف شيوخ قبائل السنة في المحافظة العراقية الذين تحركوا بعد وقت طويل من إقرار المارينز الأميركية بالهزيمة في الأنبار وتحركوا لخدمة مصالحهم الشخصية ووجهوا ضرباتهم إلى رجال القاعدة في العراق الذين كانوا يقتلون أبناء قبائلهم، ومؤخراً تعرض أحد الرجال الذين وقفوا وراء هذا التغيير وأشاد به الرئيس بوش في زيارته السرية إلى الأنبار للتفجير إلى أشلاء متناثرة على يد العدو قرب داره.

كل ذلك يحدث بينما رئيس الوزراء نوري المالكي وحكومته يضيقان ذرعاً حيال مشهد قيام حلفائهم الأميركيين بدعم وتمويل وحتى تجنيد السنة في إطار الجيش والشرطة العراقيين الأمر الذي يجعلهم أصعب في التعامل معهم عندما تحين ليلة السكاكين الطويلة أو ليلة الانتقام المظلمة.

وقد أعلن الرئيس الأميركي أنه يأخذ الآن بنصيحة بترايوس ويصدر أوامره بالبدء في خطة تستغرق 10 شهور لسحب الجنود الثلاثين ألفاً الذين يشكلون زيادة في القوات الأميركية في العراق وهو تقليل يعرف الجميع أنه كان محتماً لأن الجيش والبحرية الأميركيين لا يستطيعان البقاء على ذلك المستوى من القوات في العراق إلى أبعد من مارس المقبل.

هل سيفلت بوش بهذا؟ إن الإجابة حسب المؤشرات المتوافرة هي نعم. والديمقراطيون في الكونغرس وحدهم هم الذين يقفون في طريقه ويتعين عليهم أن يتمتعوا بالصلابة وما يشبه الشجاعة المعنوية أو حتى الفهم الكافي بالدستور الأميركي والفقرات المتعلقة بتمويل الحرب، لكي يستطيعوا التغلب على صانع القرار الأميركي.

إنها رحلة طويلة تلك التي تمتد من الآن حتى 20 يناير 2009 وسوف يتدفق دم الكثير من الأميركيين ودم المزيد من العراقيين وتلطخ أيدي الذين سمحوا لهذه الحرب المجنونة بأن تستمر.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» ـ خاص ل«البيان»