ثمة مفارقتان صارختان في موضوع تلوث البيئة والاحتباس الحراري:
1 ـ إن الكبار يتسببون بالأذى والصغار مطلوب منهم التضحية، وحدهم.
2 ـ إن الأخطار التي ينذر ويهدد بها ارتفاع حرارة الأرض لن ترحم أحداً؛ ومع ذلك يواصل المتسببون عنادهم وإصرارهم على الإبحار بالمركب المثقوب.
الاجتماع السنوي الذي عقدته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في بالي باندونيسيا، بخصوص هذا الموضوع ـ المشكلة؛ أنهى أعماله بأقل من الحد اللازم؛ لمعالجة هذا التحدي الكبير للإنسان وحياته ومصيره، فلم يتم الاتفاق على ما كانت تطمح إليه البشرية من حل لمشكلة الانبعاث الحراري، فكل ما تم الاتفاق عليه هو قبول الدول الكبرى ومنها الولايات المتحدة بالإعداد لاتفاقية جديدة بديلة عن اتفاقية كيوتو على أن يتم إنجاز ذلك قبل العام 2009.
هذا التقدم الذي تحقق، بالكاد. جاء بدرجة مخيبة على حدّ تعبير الأمين العام للأمم المتحدة. فبعد أسبوعين من النقاش الحاد والمناورات والرقص حول الألفاظ والمفردات، انتهت المباحثات إلى الاتفاق على صياغة غامضة؛ حول اتفاقية مناخية جديدة. ما كان ينبغي تحديده بوضوح وصراحة، في بنود هذه الأجندة؛ تمّ تمييعه وإدراجه بلغة ضبابية. الأمر الذي من شأنه تهديد هذه المفاوضات بالغرق في الجدل البيزنطي كالعادة؛ وبالتالي قطع الطريق على خروجها بمقررات فعّالة وملزمة وحائزة على إجماع دولي.
جلسات بالي الحامية دارت أساساً حول موقفين: الأول أوروبي ويدعو إلى رسم هدف محدد وملزم للجميع، يقضي بخفض الانبعاثات الصناعية بمقدار يتراوح بين 25 و40%، كما كانت عليه في التسعينات، كما يحدد عام 2020 موعداً، لبلوغ هذه الغاية. الخلافات فرضت مساومة، تمثّلت بحذف الربط بين هذه الأرقام والالتزام بها، والاستعاضة عنه بالإشارة فقط إلى أرقام مماثلة وردت في تقرير علمي للأمم المتحدة. عملياً، لم يعد النصر ملزماً بقدر ما هو تعبير عن نوع من التمني والمناشدة.
دول عديدة اعترضت؛ على رأسها الهند والصين. لكن المعترض أو بالأحرى المتفلت الأكبر من مثل هذا التعهد كانت الولايات المتحدة؛ الملوِّث الأكبر للمناخ الكوني، مصانعها وسياراتها ومحروقاتها تنفث من ثاني أوكسيد الكربون ما يعادل 25% مما يقذفه باقي العالم في الفضاء.
أميركا وبالذات هذه الإدارة ـ التي انتقدها صراحة في بالي، نائب الرئيس الأميركي السابق آل غور ـ رفضت من البداية ولا تزال، أي خفض إجباري في معدل الغازات المؤذية للمناخ وحرارة الأرض؛ بزعم ان مثل هذا الالتزام يرتب كلفة عالية على الاقتصاد الأميركي!!
وعلى أساس هذه الذريعة انفردت واشنطن وحدها، من بين الدول الصناعية الكبرى في العالم بالوقوف ضد بروتوكول كيوتو؛ الذي قضى بان تعمل الدول الصناعية الـ 37 على تقليص الغازات الضارة بمعدل 5% عما كانت عليه في التسعينات؛ وذلك مع حلول عام 2012. والآن تتمسك واشنطن بالموقف ذاته، إزاء جدول أعمال المفاوضات التي ستبدأ وتستمر سنتين؛ للخروج ببروتوكول جديد، يكون جاهزاً قبل نفاذ كيوتو.
المقلق، بل المخيف، أن الأوساط العلمية وبالذات الأميركية منها تواصل إصدار التقرير تلو التقرير؛ وإطلاق التحذير بعد التحذير، ـ وأحيانا الإنذار ـ بان الاحتباس الحراري اقترب من نقطة اللارجوع، وبالتالي من نقطة الخطر الداهم على المناخ والنبات والجغرافيا. بل على الحياة نفسها. ومع ذلك وبالرغم من بداية ظهور الأعراض المبكرة للتدهور المناخي؛ تبدو الدول المتسببة غير مبالية.
هي تقدّم اعتبارات الاقتصاد والنمو على أية اعتبارات أخرى. حتى ولو كانت بحجم الاحتباس وشروره. وأميركا تبدو العقبة الأساس. برفضها أي تزحزح عن موقفها. وكأن الأمر لا يخصّها. أو كأن العالم كله ليس في مركب واحد. مكابرة لابدّ من فضحها ورفضها.
