هناك مقولة قديمة تصلح لكل زمان ومكان مفادها أن من يرد معرفة مكامن الثروة ، وفي مقدمتها النفط، فعليه أن يتابع تحركات الأساطيل الأميركية.
فالنفط كان ولا يزال في صلب الاستراتيجية الأميركية بغض النظر عن الإدارة التي تحكم الولايات المتحدة ، جمهورية كانت أم ديمقراطية والأسباب في ذلك معروفة للأغلبية العظمى من شعوب الأرض دون أن ننسى أن النفط سينفد بعد سنوات وأن حصة الأميركيين من هذا النفط هي الأكبر والأضخم على مستوى العالم.
وإذا كان النفط هو المحرك الأول للسياسة الأميركية التي تحرك الأساطيل والبوارج بحثاً عن هذا الذهب الأسود، فإننا لا نستطيع أن نغفل عوامل أخرى سياسية وايديولوجية واستراتيجية .. وحتى شخصية.
ومن سوء حظ منطقتنا العربية أنها تحتوي على أكبر مخزون نفطي في العالم، وأنها أيضاً ملتقى ثلاث قارات، ومهبط الديانات السماوية وهي تثير لعاب المستعمرين منذ بدء التاريخ وحتى اليوم ، مع ما يعنيه ذلك من مشروعات استيطانية استعمارية تحت حجج ومشروعات وأحلام وأساطير.
هذه حقائق تاريخية منها القديم ومنها ما هو معاصر، وخارطة المنطقة العربية تبين مواقع الهيمنة الأميركية عسكرياً أو سياسياً على منابع النفط، ولا يخرج على الطاعة الأميركية إلا إيران والسودان «إقليم دارفور الذي يسبح على بحيرات من نفط» والدول القليلة التي ترفض الإملاءات الأميركية والمشروعات الصهيونية أو المستندة إلى خرافات وأساطير صهيونية، ومنها «الشرق الأوسط الجديد».
يمكن قراءة السياسات الأميركية التي يرسمها المحافظون الجدد أصحاب الإيمان العميق بأساطير التلمود، استناداً إلى هذه الحقائق، وخاصة أن صناع القرار اليوم في إدارة الرئيس جورج بوش هم، إضافة إلى إيمانهم بهذه الأساطير، تجار نفط ومديرو وأصحاب شركات نفطية.
وهكذا جمع فريق بوش السياسي ـ العسكري ـ الاقتصادي، خيوط اللعبة: من مصالح نفطية وأحلام توراتية وأحقاد على العرب والمسلمين، لتتشكل سياسة هي خليط من العنف والعنصرية والعطش إلى النفط والثروات والتسلط على العالم.
أمام كل هذه الحقائق، ألا يحق لنا التساؤل عن هذا العداء السافر لإيران النفطية أولاً، والمساندة للحق العربي وللقضية الفلسطينية ثانياً؟
وما سر هذا الاهتمام بإقليم دارفور السوداني؟ وهل حلت مشكلات العالم كلها ولم يبق إلا هذا الإقليم؟
وعلى هذا الأساس يمكن طرح عشرات الأسئلة حول السياسة الأميركية من أفغانستان إلى الشرق الأوسط المضطرب الذي نشرت فيه الإدارة الأميركية الفوضى والخراب والدمار وراحت تمتص نفطه وثرواته وتعمل على إشعال الحروب الطائفية والعرقية فيه.
ومع أن إدارة بوش المحافظة حققت بعض النجاحات في المنطقة ـ إذا اعتبرنا الاحتلال العسكري ونشر الفوضى نجاحات ـ إلا أن الفشل في المحصلة كان من نصيب هذه المشروعات والمخططات، وهو أمر نظن أن إدارة بوش بدأت تدركه، والعالم بات يعرفه، فقط العرب ما زالوا في حالة شك وعدم تصديق بأن أقوى وأكبر دولة في العالم ممكن أن تتعرض للهزيمة وأن تمنى مشروعاتها بالفشل والخيبة.
في كل ذلك يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن سورية هي التي نبهت منذ البداية لمخاطر السياسة الأميركية وهي التي حذرت الأميركيين من الغرق في الرمال المتحركة العراقية، وهي التي راهنت على خيار المقاومة وألحت على الحوار البناء القائم على المصالح المشتركة وليس على المصالح الضيقة الأنانية التي لا يمكنها إلا أن تسبب الكوارث والويلات للشعوب والخسائر للأميركيين قبل غيرهم.
الصورة اليوم في المنطقة ليست كما كانت عليه قبل خمس أو سبع سنوات، ومحاولات التسلط والاستفراد بالعالم ودوله وشعوبه وثرواته ما عادت مجدية، وعلى الذين راهنوا على خيار القوة والحروب وسرقة الشعوب ونهبها أن يعيدوا النظر في سياساتهم وأن يعودوا إلى الرشد والاقتناع أن الحوار هو السبيل الوحيد واللغة الوحيدة التي يمكن أن تضمن المصالح وأن تحقق السلام والأمن للعالم أجمع.
