مازال تقرير وكالة المخابرات المركزية الاميركية حول قدرات إيران النووية يلقي بظلاله. فبعد نشره صرّح جون بولتون «المحافظ جدا» بأن التقرير هو عبارة عن مؤامرة يتعرّض لها الرئيس بوش. وبعد نشره ظهرت قضية إتلاف التحقيقات الخاصة بمعتقلي غوانتانامو، وهو ما يشوّه صورة الوكالة الشهيرة.

ويبرز في هذا الصدد سؤال خاص عن تزامن الحدثين، أي ظهور التقرير الخاص بايران للعلن، وظهور مسألة اتلاف التحقيقات. هل ان هذا التزامن بريء حقّا أم أن في الأمر سرّا، ومؤامرة (كما قال بولتون السفير السابق لدى المنتظم الدولي) ثم حربا استعمل خلالها كل طرف، أيالبيت الابيض من جهة وجهاز المخابرات من جهة أخرى، أسلحة ضدّ الطرف الآخر.

يمكن ان يكون الأمر كذلك، لكن الثابت أن علاقة الادارة الاميركية والمخابرات المركزية هي علاقة متوترة ومتأرجحة، فزيادة على الخلافات التي ظهرت قبل الحرب على العراق، وعلى كشف مسؤول كبير بالبيت الابيض لاسم عميلة تعمل لحساب السي آي ايه انتقاما من زوجها الديبلوماسي الذي رفض تلفيق تهم «نووية» للعراق، فإن تقرير المخابرات المركزية الخاص بالنووي الايراني كان فعلا مفاجأة مدوية .

ليس للرأي العام الاميركي وحده، بل للعالم كلّه، إذ ظهر التقرير وكأنه يضع حدا لمبررات اي قرار حرب ضد ايران، بل هو ظهر كشهادة لصالح ايران العدوّ اللدود للادارة الأميركية والضّلع الثابت في «محور الشر»، كما ظهر وكأنه يريد كبح جماح الأطراف التي تريد ضرب ايران.

إن العلاقة المتوترة جدا بين إدارة بوش وبين وكالة المخابرات المركزية ظاهرة ومكشوفة للعيان منذ سنوات لكن أن تبلغ الى هذه الدرجة، فإن ذلك هو الذي يدعو الى الفضول حقا، وإلى السؤال حول تلك الشهادة القديمة التي تقول بأنه من المفارقات في امريكا، أن أوّل مؤسسة ليبرالية فيها، ويا للغرابة: جهاز المخابرات المركزية!