الاتجار بالبشر ظاهرة عالمية، شأنها في ذلك شأن الإرهاب والتحولات المناخية المدمرة للحياة البشرية. ولعل الاتجار بالبشر يكون الأسوأ في مثل هذه الأوبئة والمصائب التي تجتاح عالمنا المعاصر، لانها ظاهرة تمس في الصميم حياة وحرية وكرامة الانسان في أماكن كثيرة ليست عرضة لاي حروب او صراعات او كوارث طبيعية.
لذلك فهي تشبه الامراض الصامتة التي تصرع الانسان رغما عنه وايضا رغما عن من يحاول انقاذه، وذلك بسبب السرية التي تحاط بهذه العمليات المشينة، وقد اثبتت العصابات التي تقوم بهذه الانواع من (التجارة غير المشروعة) انها تمتلك امكانيات تفوق قدرات اية جهة امنية او عدلية في اي بلد منفرد، حتى لو كان دولة عظمى كالولايات المتحدة الاميركية او حتى لو كان اتحادا معزز الاركان كالاتحاد الأوروبي.
ومن ثم فان دولا صغيرة في امكانياتها كدول الخليج العربية لا يكون بمقدورها منفردة ان تواجه مثل هذه الجرائم العابرة للقارات ما لم يكن هناك تقسيم جيد للأدوار والمهام واحكام للدوائر التي تلاحق هذه الجرائم التي تصنع مآسي لا حصر لها في حياة البشرية. ومن هنا تكون المسؤولية جماعية سواء داخل الدولة الواحدة او داخل المنظومة الاقليمية او الدولية.
ولا نريد للعالم ان يقع في مشكلات شبيهة بتلك المشكلات التي تنشب في اجتماعات معالجة المناخ واحترار الارض من حيث يتم قذف الاتهامات يمنة ويسرة، دون التوصل الى نتائج حاسمة.
بل ومن المؤسف انه فيما يتعلق بظاهرة الاتجار في البشر تحديدا نجد ثمة محاولات لتزوير التاريخ وطرح قياسات غير عادلة وغير منطقية لاستثمار هذه الظاهرة في اغراض سياسية.
المهم ان يتم التصدي للظاهرة بشكل عام في وضعها الراهن دون قذف الاتهامات خبط عشواء لابعاد الشبهة في معظم الاحيان عن الفاعلين الحقيقيين الذين يقفون وراء هذه التجارة المحرمة.
وربما لا نكون مبالغين اذا قلنا ان علاج الظاهرة ينبع من الدول المصدرة لهؤلاء البشر الذين يسمحون لانفسهم ان يصبحوا سلعة تباع وتشترى في الاسواق تحت ضغط الحاجة او بدافع الربح غير المشروع، وذلك بنشر الوعي واحداث اصلاحات اقتصادية وصحية واسكانية ملموسة تشارك فيها المؤسسات الدولية الكبرى كالبنك وصندوق النقد الدوليين، ومن ورائهما الدول المانحة التي هي نفسها تواجه موجات هجرة بشرية غير مسبوقة يروح ضحيتها الكثيرون غرقا، فإذا نجوا ووصلوا الى بر الامان قبلوا طواعية ان يبيعوا انفسهم من اجل كسب العيش.
وما من شك في ان حلقة العمل التي ستلتئم في المعهد الدبلوماسي غدا سوف تقدم رؤية السلطنة ومساهمتها في مكافحة هذه الظاهرة حيث تقوم بلادنا باستمرار بدورها على اكمل وجه في المحافل الدولية للمساهمة بفعالية في معالجة كافة الظواهر السلبية التي تجتاح العالم وليس بمقدورنا النجاة من شررها دون سياج حماية جماعي تساهم فيه المنظومة الدولية ككل.
