بات الشأن السوداني على درجة من التعقيد جعلت من الصعب على اي محلل او خبير فك طلاسم بعض الاحداث وتفسير مواقف بعض المسؤولين والسياسيين المتقلبة تجاه العديد من القضايا المطروحة حاليا على الساحة.
السودان اصبح مستودع مشاكل، وآلة تفريخ للازمات. فهناك الازمة المتفجرة في اقليم دارفور، وهناك الازمة القديمة المتجددة في الجنوب، وهناك ازمة الحكم مع المعارضة الشمالية، والمنشقين عن جبهة الانقاذ الحاكمة على وجه الخصوص.
بعض هذه الازمات تفجرت نتيجة الفشل في ادارة الازمة من قبل الحكومة، مثلما هو حادث في دارفور، وبعضها الآخر ناجم عن تدخلات خارجية، من الولايات المتحدة ودول اوروبا التي تريد تفكيك هذا البلد الاكبر من حيث المساحة في افريقيا الجنوبية، وطمس هويته العربية وربما الاسلامية في نهاية المطاف.
الحكمة تقتضي ان تبادر السلطات السودانية الى اتباع سياسة تقليص الخسائر وابطال مفعول العديد من الازمات قبل انفجارها، من خلال سياسة تبتعد كليا عن النزق والثارات، وتعمل على توحيد الصفوف لتعزيز الجبهة الداخلية، ودائرة السلطة في مواجهة التدخلات الخارجية المتعاظمة. ولكن ما يجري على الارض مخالف لذلك تماما، مما ادى الى ايصال الحكومة المركزية في الخرطوم الى مرحلة من الضعف والارتباك غير مسبوقة.
ابرز الامثلة على هذا الارتباك اعتقال المدرسة البريطانية بسبب اطلاق اسم محمد على لعبة، ثم الافراج عنها بعد حدوث الضرر وتشويه صورة السودان بشكل اكبر مما هي عليه من سوء. ثم جاءت بعد ذلك ازمة الخلاف بين رأسي اتفاق المصالحة الوطنية التي كادت ان تعيد البلاد الى هاوية الحرب الاهلية مجددا.
في ظل هذه الازمات من المفترض ان يلجأ النظام في السودان الى فتح حوارات مع جميع الاجنحة المتصارعة تحت مظلته، لتحقيق المصالحة والوفاق الوطني، خاصة مع حزب المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه الدكتور حسن الترابي لتجنب شره ان لم تتأت الاستفادة من علاقاته المتشعبة في دارفور وغيرها.
الدكتور الترابي شخصية اشكالية يختلف معها البعض ويتفق معها البعض الآخر، ولكنه يظل الاب الروحي لثورة الانقاذ الحاكمة، والعمود الفقري في صياغة معظم سياساتها الحالية، الفاشلة منها والناجحة. واعتقاله ثم الافراج عنه وفرض الاقامة الجبرية عليه اديا الى نتائج عكسية وسلبية تماما بالنسبة للنظام الحاكم في الخرطوم.
ابعاد الترابي من دائرة الحكم جاء في بعض جوانبه استجابة لضغوط مصرية واخرى سعودية. واللافت ان النظام لم يجن اي ثمار مقابل الاستجابة لهذه الضغوط من قبل الدولتين. اللهم الا اذا اعتبرنا تجميد النظام المصري لمشكلة حلايب انجازا كبيرا للخرطوم. فالمثلث المنسي اعلاميا ما زال محاصرا من قبل القوات المصرية، اي على الوضعية نفسها التي كان عليها في زمن وجود الدكتور الترابي في دائرة السلطة.
الآن تتردد اقوال بان هناك جهودا تبذل لجمع الرئيس البشير بالدكتور الترابي، والمأمول ان تكون صحيحة. فمن غير المنطقي ان يلتقي البشير جميع قادة احزاب المعارضة الشمالية ويتحالف معها، ويعقد صلحا مع الذين حاربهم لاكثر من عشر سنوات ويدخل معهم في شراكة سياسية، ويقدم لهم تنازلات كبيرة، ثم يظل في الوقت نفسه على خلاف مع معلمه الاول ورئيسه الروحي الدكتور الترابي وحزبه.
وربما لا نبالغ اذا قلنا ان عناد المسؤولين في سدة الحكم في الخرطوم ونزقهم تجاه الدكتور الترابي وحكمه هما من اسباب تفاقم ازمة دارفور ووصولها الى الصورة التي نراها حاليا. فلعل الوفاق مع الدكتور الترابي الذي يقيم علاقات جيدة مع بعض قادة المتمردين ينقذ ما يمكن انقاذه في هذا الملف السوداني الشائك والمعقد قبل ان ينفصل دارفور نهائيا عن الوطن الام.
