في بعض البيئات الصعبة، تصبح الحياة أكثر من تحد وأكبر من مغامرة، في البيئة الصعبة، تتحول كل الحواس إلى نقاط استشعار والتقاط لأي شيء يتحرك أو يتنفس حولك، وعندها يكون بقاؤك مرهوناً بقدرتك على قراءة كل حركة تحدث حولك، الذين يعيشون في هذه البيئات يعرفون على وجه الدقة والحساسية قيمة الحياة وفق مبدأ «سوء الظن من حسن الفطن»!!
وفي بعض مناخات بلداننا العربية، فإن التحرك على الأمتار المشدودة مهارة لا يتقنها سوى أكثر البهلوانات تدرباً وحرفية، وأحياناً أكثر الناس إيماناً بأنه لا طريق للوصول إلى الضفة الأخرى سوى العبور على الأسلاك الممدودة بين الضفتين.
وهنا يحتاج الإيمان إلى مراجعة، وتحتاج الأسلاك إلى من يتفقدها دائماً، لأن هناك من لا يكفيهم أنك تسير على أسلاك مشدودة فيتطوعون في لحظة مزايدة معينة إلى إحداث عطب ما في مكان ما في الطريق، علهم ينالون رضا أو علهم يطفئون ناراً دفينة تشتعل في دواخلهم!
والاشتغال بالعمل العام في مجتمعات الخليج، قضية في غاية الأهمية والحساسية، تصدى لها منذ بدايات تكوين الدولة شباب مؤمنون بقيمة وأهمية العمل العام باعتباره الطريق الموصل نحو آفاق أرحب في إطار المشاركة وفاعلية دور المواطن في صناعة مستقبل وطنه، وباعتباره دليلاً مؤكداً على حيوية المجتمع وصدق نوايا التغيير والتنمية الإنسانية لدى صانع القرار وصاحب الوعي من مثقفي المجتمع.
مع طول المسيرة، استمر العمل صامداً، تكاثرت الجمعيات حتى وصلت إلى 120 جمعية يرى فيها البعض عدداً كبيراً جداً، في ظل واقع يقول بعدم فاعليتها جميعها، وعدم تلمس آثار واضحة لأهدافها المكتوبة في أنظمتها الأساسية، وهنا فإن استمرار جمعيات العمل الأهلي، أو الجمعيات ذات النفع العام برغم كل ما تعاني منه من سلبيات، يعتبر إنجازاً يمكن البناء عليه بالاستفادة من كل الأخطاء والإهمال والخمول والصد والهجران.
ذلك أن التغيير والتغير الذي أصاب البلاد والعباد، واشغل المعنيين بأمور الحياة والمعاش وغيرها ترك آثاراً مؤكدة على ديناميكية شباب العمل الأهلي والمتحمسين للنفع العام، كما ترك علامات وتشوهات في العلاقات والنفسيات، وآليات التعاطي مع الخلاف والاختلاف، وطيف التوجهات الموجودة بين الشباب.
لذا فنحن اليوم لا نحتاج إلى قانون جديد فقط ـ على أهمية هذا المعطى وخطورته ـ لكننا نحتاج إلى وقفة محاسبة ومراجعة شاملة لأننا مقبلون على مرحلة مغايرة لا ينفع معها معالجة ملف العمل العام بمنظور الشخصنة والذاتية، والتناول الإعلامي السطحي المنجرف مع التيار، دون تعمق أو تثبت أو تمهل لحين انقشاع الغيوم وهدوء العاصفة!
معظم الذين تناولوا أزمة جمعية حقوق الإنسان في صحافتنا المحلية لم يضيفوا كلمة واحدة تفيد في دفع المسيرة للأمام، في حين أن المطلوب أن تكون الكتابة في هذا الاتجاه بعيدة وعميقة!!
