لطالما كانت الخيمة تظلل الفلسطينيين تحت سقفها وتجمعهم أرضها، سواء خيام اللاجئين أو خيام الفدائيين، ففيها يتقاسمون الرغيف والزعتر وزيت الزيتون، بغض النظر عن انتمائهم الجغرافي أو السياسي والعقائدي.
وهكذا أيضا يعيش الأسرى داخل زنازين الاحتلال الصهيوني، وهكذا يجب أن يكون كل أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، فما يجمعهم أكثر بكثير مما يفرقهم، وفي وحدتهم يكمن سر بقائهم وانتصارهم بإذن الله.
واليوم نحن في أمس الحاجة لعودة اللحمة ورص الصفوف وتجاوز الخلافات والصفح عن الإساءات ومداواة الجراح لا فتحها، فلا يمكن تحقيق أي انجاز سياسي أو عسكري مهما كان صغيرا، دون مصالحة وطنية شاملة والانصهار في بوتقة واحدة. ففلسطين تتسع لكل أبنائها، ولا بد من الاتفاق على القواسم المشتركة، وهذا اضعف الإيمان.
ولعل أولى الخطوات تكون بوقف حملات التشهير والتحريض والشتائم والاعتقالات بين عمودي الخيمة الفلسطينية الرئيسين، ونقصد بهما حركتي فتح وحماس، مع علمنا بان المشوار صعب وبحاجة لقرارات صعبة وقد تكون مؤلمة للطرفين.
ولا احد يستطيع أن ينكر أن فتح هي أول من أطلق رصاصة الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965، وقدمت الكثير من التضحيات خلال مسيرتها الطويلة، وان شابها بعض العثرات والأخطاء في الاجتهادات، لكن الذي لا يخطئ هو فقط الذي لا يعمل. ونحن نريد لفتح أن تعود إلى ما تربينا عليه صغارا، فتح الثورة، فتح العزة والكرامة التي رفعت الراية عاليا، ومن أناشيدها تعلمنا:
رشاشي عاكتافي فرشتي ولحافي
وطول ما احنا سوية عمرنا ما نخاف
فتح، الأم والأب التي كانت تحتضن الجميع ويتسع صدرها للكل.
والأمر كذلك، وفي ظل أجواء عيد الأضحى المبارك وأعياد الميلاد، فإن حركة حماس مطالبة أيضا بنشر أجواء التسامح بين الجميع، وان تنشر محبتها على الكل وليس فقط للمنتسبين لحركتها، فالوطن للجميع وسماء فلسطين لكل أبنائها.
ونحن نعلم اشد العلم ونعرف أن غزة عصية على العدو الصهيوني، ولذلك يطلق حقده الأعمى عليها برا وبحرا وجوا ويحاصرها من كل اتجاه، وهي صابرة وصامدة وتدك صواريخ وقذائف أبطالها قلاع الإسرائيليين في سديروت، وتجبر رئيس بلديتها على الاستقالة احتجاجا على فشل جيش الاحتلال وعجزه عن وقف صواريخ غزة، ومنعها من الوصول إليها والى غيرها من المستعمرات والمغتصبات الصهيونية.
ومع هذه الأيام، ونحن نعيش ذكرى انتفاضة الحجارة التي انطلقت في ديسمبر 1987 وتجسدت خلالها الوحدة الوطنية في أسمى صورها آنذاك، فكل التنظيمات كانت تجمعها قيادة موحدة تصدر بياتها وتوجه العمل الانتفاضي والسياسي الموحد، والتكافل الاجتماعي كان يشمل الجميع دون تفريق بين مدينة ومدينة أو مخيم وقرية أو بين فصيل وآخر.
وكان الكل يشملهم الفرح والحزن ويخرجون في مظاهرات واحدة ويدفنون الشهداء معا. لكن، شهادة للحق، فان التنظيم الوحيد الذي أبى الانخراط في القيادة الموحدة للانتفاضة هو حركة حماس، التي انطلقت أيضا في ديسمبر 1987 وكانت بياناتها تصدر عنها وحدها.
وحاولت الاستقلال عن الجميع. وقد استمر هذا الوضع حتى اليوم، ولم تفلح كل الاجتماعات والمفاوضات لدخولها إلى منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
لقد آن الأوان ليجلس الجميع ويتفقوا على نسيان الماضي وعلى فتح صفحة بيضاء جديدة، بعيدا عن التشنج وسياسة «أنا ومن بعدي الطوفان». فعلى الطرفين ـ حماس وفتح ـ الاحتماء بالخيمة الفلسطينية والاستماع لصوت العقل وتغليب المصلحة الوطنية على ما دونها.
وما يبشر بالخير أن هناك بعض الأصوات الحريصة على المصلحة الفلسطينية، من الطرفين ومن فصائل وشخصيات مستقلة وأشقاء عرب، يسعون لحل خلافات الطرفين والوصول إلى قواسم مشتركة عظمى، خدمة للأهداف الفلسطينية الواحدة والساعية نحو الاستقلال وإقامة الدولة المستقلة بعاصمتها القدس، وحق عودة اللاجئين إلى ديارهم وفقا لقرارات الأمم المتحدة.
إن العدو الصهيوني وهو يبدأ مفاوضات ما بعد مؤتمر آنابوليس، لا يتورع عن توسيع مستوطنات القدس في جبل أبو غنيم والخان الأحمر في أريحا وغيرهما، ولا يتوقف لحظة واحدة عن سياسة مصادرة الأراضي في القدس والضفة الغربية، وتدمير المعالم الإسلامية والمسيحية هناك، وحرق النسل والزرع والبشر في غزة، واعتقال عشرات أبناء الضفة الغربية واقتحام مدنها وقراها يوميا، واغتيال المناضلين دون تفريق بين أبناء حماس أو فتح أو غيرهما.
أما حان الوقت لنلقي كل خلافاتنا الجانبية وراء ظهورنا؟