خلال السنوات الأخيرة يرصد المتابع تناقضاً غريباً في علاقات روسيا مع أوروبا. وفي الوقت الذي تتوطد فيه صلات موسكو مع باريس وبرلين، وتقترب من مراحل الشراكة الاستراتيجية، تشهد علاقات روسيا مع المؤسسات الأوروبية أزمات متعاقبة.

حيث جمدت روسيا مشاركتها في معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا إلى حين مصادقة دول حلف الناتو على الاتفاقية التي تم التوصل إليها منذ عدة سنوات، والتي تقضي بتعديل المعاهدة، بعد تغير موازين القوى وانهيار حلف وارسو، وتوسعه عبر انضمام 6 دول أعضاء حلف وارسو السابق. .

وقد دفعت التغييرات التي طرأت على الواقع الأوروبي لإجراء تعديلات على هذه المعاهدة تأخذ في الاعتبار المتغيرات الحاصلة، وتقضي بالتحول لتقييد تسليح الدول بدل الحلفين، لكن هذا الاتفاق لم تصادق عليه دول الناتو، في حين اعتمدت روسيا وأيضاً أوكرانيا وكازاخستان وبيلوروسيا صيغة معدلة للمعاهدة.

واضطرت روسيا إلى تجميد التزامها بالمعاهدة باعتبار أن هذا الالتزام أصبح تقييداً لها في تسليح جيشها في شطرها الأوروبي من جانب واحد. وقد أعلنت وزارة الخارجية أن تعليق المشاركة الروسية في هذه المعاهدة ليس هدفاً بحد ذاته بل وسيلة تسعى بها روسيا من أجل إعادة إحياء نظام مراقبة الأسلحة التقليدية في أوروبا.

ونبهت الخارجية الروسية إلى أن هذا القرار لا يعني أن روسيا ستبدأ بوضع المزيد من الأسلحة التقليدية عند الحدود مع جيرانها. وأشارت إلى أن روسيا ستعود للالتزام بالمعاهدة في حال مصادقة بقية الأطراف على التعديلات المتفق عليها.

ويبدو أن الأوروبيين لم يكترثوا للموقف الروسي، بل انهم تجاهلوا تماماً مصالح روسيا وأمنها القومي، حيث يدور الحديث في الناتو عن النظام المضاد للصواريخ الذي تنوي الولايات المتحدة نشره في أوروبا باعتباره من عناصر النظام الدفاعي المضاد للصواريخ لحلف الأطلسي.

وقد شهد اجتماع مجلس روسيا ـ الناتو خلافاً تمثل في إصرار الوفد الأميركي على عدم اعتماد خطة التعاون بين روسيا والناتو العام 2008، ما لم تتضمن التأكيد على استمرار جميع أعضاء المجلس في الالتزام بالمعاهدة الخاصة بالأسلحة التقليدية في أوروبا.

وقد كشف البيان المشترك الصادر عن اجتماع وزراء خارجية دول الناتو ان الشراكة بين روسيا والناتو تدخل مرحلة حرجة، وأعلن المتحدث باسم الحلف في ختام اجتماع مجلس روسيا ـ الناتو ان الجانبين لم يتمكنا من تقريب المواقف.

ومن جانبه أشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى امكانية التوصل لاتفاقات حول عدد من القضايا الحيوية، منها مكافحة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ومكافحة المخدرات ومواجهة الحوادث والكوارث، إلا أن ملفات أخرى منها الدرع الصاروخية الأميركية ومعاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا لم يتم التوصل إلى اتفاق فيها، ما أدى لفشل اجتماع المجلس.

وانتقد لافروف موقف الناتو من نظام منع انتشار الأسلحة التقليدية في أوروبا، معتبراً أن الحلف يقوم بخطوات تؤدي إلى تعقيد المأزق الذي أصبحت جهود منع انتشار الأسلحة تتخبط فيه.

وتوسع الخلاف ليشمل ملف كوسوفو، حيث بدأت الأطراف الغربية تمارس ضغوطاً على موسكو للاعتراف باستقلال كوسوفو، وأشار الوزير الروسي إلى أن منح الاستقلال لهذا الإقليم سيشكل سابقة تدعم طموح جمهوريات معلنة من جانب واحد في الساحة السوفييتية سابقاً للاستقلال، على غرار ابخازيا وآسيتيا الجنوبية.

ولابد من القول إن مواضع الخلاف بين روسيا وأوروبا لا تقتصر على الملفات السابقة الذكر وإنما تتعداها إلى رفض الأوروبيين إنشاء ممر خاص لسفر الرعايا الروس ونقل السلع بين منطقة كالينينغراد الروسية وباقي روسيا (وأصبحت منطقة كالينينغراد جيباً روسياً داخل الاتحاد الأوروبي بعد انضمام جمهورية ليتوانيا إليه).

وازداد التوتر في العلاقات بعد تدخل الغرب في أوكرانيا وجورجيا عبر دعم الاتجاهات المعادية لروسيا، ما دفع باتجاهات داخل القيادة الروسية في التعامل مع الاتحاد الأوروبي كخصم سياسي جديد يريد مد نفوذه إلى الساحة السوفييتية سابقاً.

وبالرغم من ذلك أدى التقدم الملموس في مجالات التعاون الأمني والاقتصادي إلى تهدئة الأجواء وتنامي قناعة في الكرملين بإمكانية التوصل إلى تسوية أو اتفاق مع الأوروبيين. إلا أن تفجر نزاع حاد خلال عام 2006 بين الاتحاد الأوروبي وروسيا حول إمدادات النفط والغاز للأخير، ورفض الاتحاد الأوروبي قبول تفسيرات موسكو لما يعرقل شحن نفطها وغازها إلى أوروبا عبر أوكرانيا وبيلوروسيا.

ومن جانبها طالبت روسيا أن تراعي اتفاقية جديدة للتعاون بين الاتحاد الأوروبي وموردي النفط والغاز بمن فيهم روسيا، مصالح البلدان الموردة. وحاولت الشركات الروسية دخول الأسواق الأوروبية في عام 2006، ولكن مسعى الشركات الروسية لقي مقاومة الاتحاد الأوروبي.

وجاءت التغيرات الأخيرة في سلطة العديد من الدول القريبة من موسكو، مثل رحيل المستشار الألماني غيرهارد شرودر ورئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلوسكوني والرئيس الفرنسي جاك شيراك عن مسرح السياسة الأوروبية تراجعاً في مواقع الحلفاء القادرين على منع إحياء سياسة الحذر والانتقاد تجاه روسيا.

ويسود اعتقاد في الأوساط السياسية الروسية أن الولايات المتحدة بعد أن فشلت في وضع أوروبا في مواجهة مع روسيا عبر بلدان أوروبا الجديدة التي تدور في الفلك الأميركي مثل بولندا وبلغاريا، لجأت للتأثير على حكومات أوروبا القديمة التي كانت قد بدأت في بناء علاقات تحالفية متميزة مع موسكو، ما أدى لأن تفقد روسيا الإمكانية في التوصل لتسويات مع الأوروبيين تراعي مصالحها ومصالح بقية الأطراف.

وإذا ما أخذ بعين الاعتبار أن روسيا قد انتقلت من مرحلة الركض على أبواب الغرب إلى مرحلة اعادة بناء قدراتها الذاتية، واستعادة دورها ونفوذها الدولية، مستخدمة قدراتها الاقتصادية والعسكرية، وهو ما أدى لتنامي الثقة بالنفس لدى موسكو، فإن هذا الوضع لن يدفع الكرملين لتقديم تنازلات للغرب، بصرف النظر عن الضغوط الغربية.

بل انه أدى لإحياء نظرية المثلث الاستراتيجي كقطب عالمي. وبدأت روسيا تتجه إلى بناء حلف تكتيكي أو استراتيجي مع بلدان مثل الصين والهند. وفي الوقت نفسه يسعى الكثيرون في أوروبا إلى توطيد الصداقة مع الولايات المتحدة.

ويمكن أن يؤدي ذلك إلى أن تصبح أوروبا جزءاً من شرق الولايات المتحدة بينما «ترحل» روسيا إلى آسيا، حيث يمكن أن تنشئ اوراسيا جديدة بالتعاون مع الصين.

مركز دراسات الطاقة ــ روسيا