السياسة الخارجية الجديدة لروسيا وصلت أعلى معدلات الثقة بالنفس. ففي الثاني من أغسطس الماضي، قامت غواصة روسية بوضع العلم الروسي في قاع المحيط القطبي على بعد ميلين فقط من القطب الشمالي، معلنة حق روسيا في نصف مساحة المحيط على الأقل، بما تشمله تلك المساحة من احتياطات نفط وغاز ضخمة.

وفي رد فعل على ما قامت به روسيا قال وزير الخارجية الكندي الذي تملك بلاده حقا في المنطقة القطبية: «نحن لسنا في القرن الخامس عشر. لا يمكن لأي طرف أن يذهب لأي مكان في العالم كي يضع أعلاما ويقول إن هذه الأرض ملك لي».

ورد عليه أرثور تشيلينجاروف، القائد الروسي للعملية التي قامت بها الغواصة: «لا أهتم بأي شكل من الأشكال بما يقوله كل هؤلاء السياسيين الأجانب».

في حين أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن افتخاره بما حدث بشكل أكثر دبلوماسية، غير أن ما حدث في القطب الشمالي يمكن أن يتسبب في خلافات دولية كبيرة خلال الأعوام القليلة المقبلة. ولا يعد هذا سوى مثالا واحدا بسيطا لما قامت به روسيا من خطوات في غاية الجرأة مؤخرا.

فقد هددت موسكو بيلاروسيا بمنع نصف إمدادات الغاز الطبيعي عنها في حال رفضها دفع بعض الرسوم بأثر رجعي. وقد واجهت أوكرانيا موقفا مشابها في يناير 2006، في حين اتهمت إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وهي إستونيا، روسيا بشن هجمة إلكترونية على مواقع الحكومة والمصارف على الإنترنت بعد قرار الحكومة الإستونية بإزالة تمثال له مغزى سياسي لدى روسيا يعود إلى الحقبة السوفييتية من وسط العاصمة الإستونية، وفي الوقت ذاته يتبين أن روسيا على خلاف مع الحكومات الغربية حول عدد من القضايا. فهناك نزاع حول رفض روسيا تسليم مسؤول أمن روسي سابق للندن كي يمثل للتحقيق في جريمة قتل.

كما أن قائمة القضايا التي أضرت بعلاقات روسيا مع الولايات المتحدة هي الأخرى طويلة. فهناك توسع الناتو داخل أراضي الاتحاد السوفييتي السابق ومعارضة الكرملين غزو أميركا للعراق و اتهام موسكو بأن واشنطن قد ساعدت في قيام ثورات موالية للغرب في جورجيا وأوكرانيا وتعهد روسيا باستخدام الفيتو ضد أي قرار من مجلس الأمن الدولي بمنح الاستقلال لكوسوفو.

هل الثقة الجديدة التي تتعامل بها روسيا مع الغرب تفرض تهديدات بحجم ما كان يمثله الاتحاد السوفييتي السابق؟ إن الكرملين سيواصل إفساد الكثير من خطط السياسة الخارجية الأوروبية والأميركية وسيعمل على السخرية من أي شكاوى من الغرب ضد تدخل روسيا في حياة وشؤون جيرانها. غير أن روسيا ليست في موقف يسمح لها باستعادة مواجهة على نمط المواجهة السوفييتية مع الغرب.

أولا، فإن روسيا تأمل في مواصلة الاستفادة من الانفتاح على الاستثمارات الخارجية في الوقت الذي أصبحت فيه الطبقة الوسطى الروسية محط جذب للبضائع والخدمات الأجنبية.

وعلى الرغم من أن الكرملين سيبقى على إصراره على السيطرة على القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد الروسي، إلا أنه لا يستطيع تحمل وضع «دولة مارقة»، وهو الوصف الذي تُنعت به إيران وفنزويلا الآن على المستوى الدولي.

ثانيا، فإن روسيا تعمل على تحدي ميزان القوة في العالم حول قضايا تتعلق بمصالحها القومية غير أنها في الوقت نفسه لا تملك القوة السياسية والاقتصادية لممارسة ضغوط في منطقة أميركا اللاتينية وافريقيا أو جنوب آسيا. فاقتصاد روسيا حاليا لا يزيد إلا قليلا على اقتصاد المكسيك ولا يمثل سوى أكثر قليلا من ثُلث اقتصاد الصين.

ثالثا، إن روسيا اليوم، بعكس ما كانت عليه الحال إبان الحقبة السوفييتية، لا تتمتع بالأيديولوجية الجذابة التي يمكن أن تدفع الآخرين إلى صفها. فلا توجد دولة واحدة في العالم، ولا حتى فنزويلا، يمكن أن تستنجد بروسيا كي تضمن أمنها في مواجهة أي عدوان أميركي.

وأخيرا فإن روسيا، بعكس الصين، لديها الموارد الطبيعية التي تحتاجها، وهو الأمر الذي يحد من نمو المصالح المشتركة بينها وبين حكومات العالم الأخرى.

إن موسكو ستبقى لاعبا قويا ولكن في إطار محيطها الجغرافي فقط وسيستمر هذا الوضع حتى يجيء اليوم الذي تجد فيه روسيا والصين مصلحة مشتركة في استخدام مواردهما السياسية والاقتصادية سويا للتأثير في النظام العالمي الذي يقوده الغرب. ولكن هذا الأمر مستبعد حدوثه بشكل كبير.

إن الدولتين ستواصلان العمل سويا حول قضايا معينة تمس السياسة الخارجية، تماما كما استخدمت كل منهما نفوذها في منظمة شنغهاي للتعاون من أجل تشجيع أوزبكستان على إخراج القوات الأميركية من قواعدها في 2005. لكن على المستوى الاستراتيجي، فإن المصالح الروسية والصينية ليست متفقة دائماً.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»