تنجح السياسة الدولية لأية أمة أو تفشل، بقدر ما تتسلح ببصيرة نافذة قادرة على الوصول لعمق الأحداث، وعندما تتأسس السياسة الدولية لأمة على ردود الأفعال أو التحرك قصير الأجل، فإنها على وجه القطع تفشل وتتحول إلى عمل أداتي، لا تسانده رؤية متكاملة لها مقدساتها ومحرماتها وتعرف جيدا ممكناتها.

ومرة أخرى تعود الأفكار حاليا لتلعب دورا كبيرا لا يقل ـ أحيانا ـ عن دور المصالح بمعناها المباشر، وهو ما يضفي أهمية كبيرة على «مصانع الأفكار» والمؤسسات البحثية التي تهتم بـ «التعميق» في مواجهة «التسطيح» والتبسيط المخل.

وما يحدث في السجال الدائر حول استقلال كوسوفو نموذج لسيطرة التبسيط والتسطيح على الأداء العربي، مقابل درجة عالية من التقدير لتأثيراته على المدى البعيد يتسم بها الأداء الدبلوماسي الإسرائيلي في هذا الملف الحساس، المهمل عربيا وإسلاميا.

والتباين في الأداء بيننا وبين إسرائيل يكشف، أولا، عن درجة انتباههم المفرطة لمفارقات التاريخ ودهائه، وتلك من سمات كثير من مثقفي الجماعات اليهودية في العالم الذين اكتسبوا، بحكم تجاربهم المتباينة، قدرة استثنائية على استباق التغيرات في موازين القوى العالمية وعلى استشعار الخطر مبكرا.

ومن مفارقات التاريخ في هذا الموضوع أن الموقف الرسمي العربي انحاز إلى خيار «التجاهل»، تجنبا لإعلان موقف رسمي يرفض استقلال كوسوفو، حتى لا يؤدي الرفض المعلن لردود فعل غاضبة تغذيها الذكريات المؤلمة في البوسنة، والمبرر الرئيس للرفض أنها ستكون سابقة في العلاقات الدولية لقبول انتهاك سيادة الدولة لمنح مجموعة سكانية حق تقرير المصير.

والمبرر الثاني التخوف الأسطوري من أي موقف تتبناه أميركا، حتى أصبحت «مخالفة» أميركا مؤشرا على الحقيقة، باعتبار أنها شر خالص لا يصدر عنها إلا الشر، وهو منطق تبسيطي يبدو مريحا لكنه في هذه المرة قاتل، لأننا ببساطة ندافع بحماس ـ وربما بحسن نية ـ عن أحد أخلص حلفاء إسرائيل!

وفي تحليل مدهش كشف المفكر المصري جميل مطر (جريدة الحياة اللندنية 3 ـ 12 ـ 2007) تحمس المسؤولين الإسرائيليين وجماعات الضغط الصهيوني الأميركية والأوروبية لمنع رئيس وزراء كوسوفو من إعلان الاستقلال.

وتردد أنه شخصياً متفق مع رغبة أميركية وأوروبية بأن يقترن إعلان الاستقلال بطلب حماية أطلسية كاملة، ولا يرجح أن حكومة الاستقلال أيا كانت تشكيلتها الحزبية ستتردد في ذلك، فشعب كوسوفو لم ينس الأهوال التي تعرض لها على أيدي جيش ميلوسيفيتش الصربي والميليشيات الصربية.

ويقول إسرائيليون ومدافعون عن إسرائيل إن الاستقلال، لو تحقق، سيكون كارثة على إسرائيل لا تعادلها كارثة أخرى. ونقل عن مشاركين غير عرب في انابوليس انطباعهم أن الإسرائيليين ربما اعتبروا مفاوضات كوسوفو أهم من انابوليس. ويقول هؤلاء المدافعون عن الدعم الإسرائيلي لموقف بلغراد، إن التهديد الأعظم لأمن إسرائيل سيأتي نتيجة للموقف الأميركي المؤيد لفرض الحل من الخارج في كوسوفو.

ولا يمكن أن تسكت إسرائيل على هذا الموقف فيتحول إلى سابقة. ويقولون أيضا إن أميركا ودولا أوروبية تسعى لشراء تأييد العرب والمسلمين لسياساتها في المنطقة، بدعم استقلال شعب مسلم وحمايته ضد هيمنة دولة مسيحية. هذا السعي، في رأيهم، خاطئ وخطير، لأنه حسب قولهم «يفتح شهية العرب والمسلمين» لتنازلات أخرى في المستقبل، ويعني مكافأة لـ «الإرهابيين المسلمين» في العالم كله.

والمؤيدون لموقف إسرائيل يدعون الأوروبيين لعدم الانسياق وراء رايس كما انساقوا قبلا وراء مادلين أولبرايت، لأن الاستقلال سيعني زيادة نفوذ الجاليات الإسلامية في أوروبا، التي ستعتبر قيام دولة إسلامية فيها رصيداً هائلاً يشجعها على الاستمرار في طلب تنازلات من حكومات أوروبا التي لن تعرف بعده ـ حسب زعمهم ـ استقراراً أو سلاماً، فقيام دولة مستقلة في أوروبا غالبية سكانها مسلمون، يعني «قيام مركز أوروبي للفساد الشامل وجماعات الإرهاب الجهادي ومنظمات المافيا»!

وهناك تشابه في كثير من نقاط الخطاب السياسي الراهن للسياسيين في إسرائيل وأقرانهم الصرب. فمثلاً تتكرر الإشارة في بلغراد لعبارات مثل: «إبقاء النزاع مجمداً أفضل من حله»، و«لا مانع من حكم ذاتي لا يضر بأمن صربيا حاضراً أو مستقبلاً»، ويهددون بأن صربيا سترد على الاستقلال «كما يجب أن ترد أي دولة يتعرض أمنها للتهديد». وتردد في العام الماضي أن إسرائيل أبلغت صربيا استعدادها لحشد مؤيديها في الخارج ضد استقلال كوسوفو إذا أصر بوش عليه.

التشابه الذي لمحه جميل مطر في الخطاب السياسي، جزء من بنية أعمق تلعب فيها أفكار من نوع «العدو المشترك» وغيرها، دورا كبيرا في التحالف الصربي الإسرائيلي. بل إن وزيرا صربيا زار إسرائيل عام 2001 وصرح للإذاعة الصربية (18 /01/ 2001) بأن «الصرب واليهود هما الأقرب إلى الله».

وأضاف أن بينهما «خصائص ومزايا مشتركة»، فكل منهما حسب تعبيره يواجه استفزازات وتهديدات من شعوب وجماعات إسلامية وإرهابية. لكن العلاقات الصربية الصهيونية لا تخلو هي الأخرى من مفارقات يمكن أن يكون إدراكها مدخلا لتعامل أكثر كفاءة مع هذا الملف الحساس، فالبلقان عموما يشهد بروز مشاعر وأعمال معادية لليهود في بلاد كانت تتميز بميول مؤيدة لليهود.

فمن يصدق أن صربيا نفسها يظهر فيها من جديد كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»؟ وأنه خلال السنوات العشر الأخيرة نشر حوالي مئة كتاب معاد لليهود في بلد كان يزدهر فيه الحديث عن الأخوة الصربية اليهودية قبل أقل من 20 عاما؟

ومن المفارقات الكبرى أن الحركة القومية الصربية التي تصاعدت في صربيا بعد موت تيتو، حاولت أن تحرك المشاعر في اتجاه إسرائيل. وفي هذا الإطار كتب وزير خارجية صربيا قبل أن يتولى المنصب، رسالة مفتوحة لاتحاد كتاب إسرائيل (مايو 1987) ركز فيها على الاضطهاد والإفناء الذي يتعرض له الصرب واليهود، مؤكدا أن المعاناة التاريخية والميراث المشترك أمليا التآخي على شعبينا. وبلغت موجة التقارب قمتها بصك تعبير التقاليد الطويلة للصداقة الصربية اليهودية.

على الجانب الآخر صك السياسي المتشدد أفيجدور ليبرمان في العام الماضي مقولة جديدة، مفادها أن إسرائيل وصربيا لديهما مصلحة مشتركة في إيجاد صيغة مشتركة في ما يتعلق بالتعامل مع الأقليات.

القضية إذن أخطر من أن نختصرها في التضحية بكل شيء، لأجل مفهوم لسيادة الدولة تجاوزه الزمن، وأهم من أن نتعامل معها بمنطق التجاهل الذي يجعل الأميركان والأوروبيين والإسرائيليين ينفردون بتقرير مصير أقلية مسلمة، ومن المؤكد أن ما بيننا وبين هذا الشعب من روابط، أقوى بكثير مما بين الصرب وإسرائيل.

فمتى تخرج الدبلوماسية العربية عن صمتها؟

كاتب مصري