بين فرنسا والجزائر لا يفصل البحر الأبيض المتوسط فحسب وإنما «جرح غائر»، ربما أعمق من هذا البحر، خلّفه استعمار دام أكثر من مئة وثلاثين سنة وحوالي مليون شهيد جزائري أثناء حرب تحرير دامت ما بين 1954 و1962.
الماضي «لم يمضِ» تماما... والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي جرى وصفه قبل أيام قلائل من زيارته القريبة إلى الجزائر أنه تحت سيطرة «اللوبي اليهودي» في فرنسا والذي وصفه كذلك لم يكن سوى وزيرا في الحكومة الجزائرية الحالية... وزير قدماء المجاهدين.
لم يأبه ساركوزي كثيرا للأصوات التي طالبته بعدم القيام بالزيارة قبل «اعتذار الوزير الجزائري». وحطت طائرته في مطار الجزائر في الموعد المحدد. إن «الورقة الجزائرية» هامة جدا بالنسبة له نظرا لأهمية الشريك الجزائري اقتصاديا.
ثم بالنسبة لمشروع الرئيس الفرنسي في إقامة اتحاد يضم الدول المحيطة بحوض البحر الأبيض المتوسط، كما كان قد أعلن منذ عشية انتخابه رئيسا للجمهورية وحدد أول لقاء للرؤساء «المعنيين» في شهر يونيو ـ حزيران 2008 في باريس.
جروح الماضي خير علاج لها هو الزمن. وهكذا كانت الكلمات الأولى لنيكولا ساركوزي في الجزائر قبل أيام هي قوله في مطلع خطابه: «لقد جئت إلى الجزائر كي أتحدث عن المستقبل.
والصداقة بالنسبة لي لا تتم ترجمتها بأقوال أو معاهدات، وإنما بأفعال»، لكن مهما كانت النوايا ومهما كانت درجة صدقها، لا بد من القول إن فرنسا والجزائر لا تستطيعان أن «تتحدثا» فيما بينهما كما تفعل الدول عادة.
فمن الصعب دائما أن يكون السلوك «حياديا» بعد «العشرة» الطويلة ورغم «الانفصال». والذاكرة لا تعمل أبدا على قاعدة «التحكم بها عن بعد».
لا شك أن نيكولا ساركوزي قد حرص على استخدام لغة دبلوماسية «دقيقة» جدا على قاعدة معرفته أنه يواجه حقلا من الألغام «النائمة» وإنما التي يمكن أن «تستيقظ» بأية لحظة. فمن جهة وجّه حديثا صريحا في تأكيده على أن «النظام الاستعماري كان ظالما بعمق». لقد اعترف وزير الداخلية الجزائري أن هذه الجملة تشكل «تقدما» لكنه اعتبرها بنفس الوقت «غير كافية».
من جهة أخرى يدرك الرئيس ساركوزي أن هناك الكثيرين في فرنسا «يترصدون» و«يرصدون» كل كلمة يقولها. وفي طليعتهم أولئك الذين كانوا قد تعاونوا في فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر مع المحتل الفرنسي ضد المقاتلين من أجل التحرير في بلادهم واضطروا عند الاستقلال إلى «الرحيل» في ركب قوات الاحتلال.
هؤلاء المتعاونون، تُطلق عليهم تسمية «الحركيين» الذين وعدهم الرئيس الفرنسي فور عودته من زيارته للجزائر تصحيح ما لحق بهم من حيف ومن نكران لما قاموا به.
ومن قبيل «المصادفة» أن «يوم التكريم السنوي للمقاتلين الذين ضحّوا بحياتهم من أجل فرنسا أثناء الحرب الجزائرية» كان في الخامس من ديسمبر ـ كانون الأول الجاري، وهو نفس اليوم الذي عاد فيه نيكولا ساركوزي من الجزائر.
ولا شك أيضا أن الرئيس نيكولا ساركوزي قد قام بالحركة «الأقوى» باتجاه «الحركيين» عندما قال: «أقول لجميع الحركيين باسم الجمهورية أنه ينبغي على فرنسا المدينة لهم أن تعوّض عليهم». ثم أضاف: «ينبغي إصلاح الأغلاط التي جرى ارتكابها، فالحركيون لم يستفيدوا من الإجراءات التي تؤمّن اندماجهم داخل الأمة».
تجدر الإشارة إلى أن ساركوزي كان قد رفض عندما كان مرشحا أثناء الحملة الانتخابية الاعتراف ب»غلط» فرنسا في الجزائر «المستعمرة».
وللتذكير أيضا لم تعترف الجمعية الوطنية الفرنسية رسميا بقيام «حرب» تحريرية في الجزائر إلا قبل سنوات قليلة فقط، إذ كان يتم التعبير عما شهدته خلال ثماني سنوات تقريبا أنه كان مجرد «أحداث» عنف، هذا إذا لم يكن «إرهابا».
لكن الواقع الحاضر يفرض لغته ويؤسس للمستقبل بنفس الوقت، ونيكولا ساركوزي يريد أن يقوم على الضفة الأخرى من البحر المتوسط بكل ما يمكن أن يخدم طموحه المعلن كأحد أولوياته منذ عشية انتخابه والخاص ب«الاتحاد المتوسطي».
ومن الواضح أنه مصمم على ذلك و«يطبخ» الأمر على نار هادئة فمثل هذه المشاريع تحتاج إلى وقت فمسيرة التوحيد الأوروبي نفسها ـ مع الفارق ـ لم تتم بين ليلة وضحاها. ولعله يفكّر بإمكانية أن تكون فرنسا والجزائر ركيزتي «الاتحاد المتوسطي» على الضفتين مستقبلا.
الفرنسيون، والجزائريون أيضا، قد يرغبون «طي صفحة» و«فتح صفحة جديدة». وميزة نيكولا ساركوزي بهذا الشأن هي أنه ينتمي إلى جيل جديد لم يعش الوقائع المباشرة للحرب الجزائرية ولا الحرب العالمية الثانية.
هكذا يتوجه نحو الجزائر دون عقدة مبدئيا ولا يستهان بإدانته «النظام الاستعماري». لكنه قد لا يستطيع الذهاب أبعد من هذا في الاعتذار من «الذاكرة» وهو الذي كان قد أعلن و«أقسم» أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية أنه لن يرضخ ل«طلب الغفران» والاعتذار من ماض لا يتحمل الجيل الحاضر مسؤوليته. مسألة «طلب الغفران» هذه هي منذ سنوات موضوع نقاشات لم تهدأ تماما حتى الآن.
أحد المقرّبين من ساركوزي نقل عنه، ونشرته صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية، قوله قبل أيام: «عندما تتجول في شوارع الجزائر ليس هناك ما يدعوك للاعتذار.
ومن الواضح أنه كان يوجد داخل النظام الاستعماري الذي أشجبه أشخاصا فعلوا أشياء جيدة»، مثل هذا القول على لسان الرئيس الفرنسي له ما يقابله فيما نشرته صحيفة «الوطن» الجزائرية وتحدثت فيه عن ساركوزي كرجل «منغلق على نفسه داخل مشاعر التمركز الوطني على الذات التي يتسم بها مناضلو اليمين المتطرف الفرنسي الذين يأنفون النظر إلى ماضيهم المرعب بمقدار ما هو المشين في الجزائر».
رغم الود الظاهر والحديث عن المستقبل وربما إرادة المصالحة الحقيقية في إطار «التاريخ المشترك» يبدو أن أسطورة سيزيف تتكرر هنا أيضا في العلاقات الفرنسية ـ الجزائرية... وسيزيف، كما تقول الأسطورة، كان عليه أن يدفع صخرة من أسفل الوادي إلى رأس الجبل وفي كل مرة كان يقترب بها من القمة كانت تتدحرج من جديد إلى بطن الوادي... ليعود إلى دفعها من جديد.
كاتب سوري
