بريطانيا لم تكن يوما دولة من الدول التي سبق لها ان احتلت الوطن العربي فحسب، بل إن الإمبراطورية التي كانت يوما ما لا تغيب عنها الشمس، تجيد اللعبة الشرق أوسطية بجدارة. وحتى لو كان اللاعبون ماهرين بمستوى تشرشل وتاتشر أو مبتدئين بمستوى جون ميجور او توني بلير، فان الأداء البريطاني في الشرق الأوسط له خصائصه المميزة، وأهمها أن بريطانيا تعرف كيف وأين تدخل مثلما تعرف كيف ومتى تخرج.

مغامرتها الأخيرة في العراق هي واحدة من دلائل تمسك بريطانيا بالمكان الذي تعرف انه الأكثر تأثيراً على الشرق الأوسط، فبريطانيا لم تترك ملف العراق منذ قصة تأميم النفط وحتى يومنا هذا.

وعلى عكس دول أوروبية أخرى فشلت في تمثيل دور الصديق للنظام العراقي السابق، فان انتهاء الحرب العراقية الإيرانية وغزو الكويت وانتهاء الحرب الباردة والتغيير في توازنات القوة والهيمنة في العالم، كل تلك الأسباب جعلت بريطانيا تاتشر تفكر في نقطة تغيير شروط وشكل العلاقات والأحداث في الشرق الأوسط.

وحتما كان ابرز محددات تلك النقطة هو العراق. فالمتتبع لحركة السياسة البريطانية في الشرق الأوسط منذ نهية الثمانينات وحتى 2003، يجد أن جل التحرك البريطاني كان يتجه حيال العراق وقضاياه وأحداثه. وإذا ما استبعدنا فكرة التبعية للسياسة الأمريكية، التي لا أصدقها كثيرا وإذا ما رغبت في تصديقها فربما اسميها التوازي والانسجام في الأهداف.

فنحن نجد أن بريطانيا وضعت العراق هدفا واضحا للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، فنصيحة تاتشر لبوش كانت صريحة وواضحة وهي أن العراق هو شرط التغيير الأمثل في الشرق الأوسط.

عموما بريطانيا شاركت الولايات المتحدة بلا انقطاع حملتها ضد النظام العراقي، منذ حرب الخليج الثانية وانتهاء بغزو العراق. وبريطانيا كانت تنظر للعراق على أنه مركز استراتيجي وحيوي، كما كانت ترى أن طبيعة التركيبة البشرية في العراق هي بحد ذاتها تمثل جزءا من عقلية الرفض والمقاومة في الشرق الأوسط، وبالتالي فقد كانت محقة تماما في إصرارها على المضي في عملية إبعاد العراق من معادلة القوة والتوازن الشرق أوسطية، علما أن هذه المعادلة تضم أيضا عنصر النفط..

عيون الساسة في بريطانيا لم تفارق يوما ذلك الكنز الأسود المدفون بغزارة في ارض العراق، وبالتالي فان وضع اليد على العراق يعني بالضرورة التحكم في اكبر احتياطي نفطي في العالم، وهو خطوة حاسمة تستحق المجازفة وهذا ما فعلته بريطانيا التي كانت حليفا صلبا للمغامرة الأميركية في غزو العراق.

الواقع أن غزو العراق المتفق عليه بين الأميركيين والبريطانيين في السر قبل العلن، وعلى غير المتوقع، أحدث شرخا في الرؤية والتوصل بين الولايات المتحدة وبريطانيا صار يتسع بشكل غير منظور ولكنه مستمر.

هذا الشرخ مرده أن بريطانيا بخلاف الولايات المتحدة لم تكن تريد إدارة العراق بأوهام القوة والسيطرة التامة التي أحبها الرئيس الأمريكي جورج بوش كثيرا، إذ إن بوش اعتقد أن ما ينتظره في العراق هو الورود والموسيقى، بينما أدركت بريطانيا أن العراق أبدا لن يكون بلدا سهل المنال، ولذلك اكتفت القوات البريطانية بتواجد في البصرة وبعض مدن الجنوب.

بريطانيا استفادت كثيرا من هذا المكان الذي هي شديدة التعلق به، ربما من أيام الاحتلال البريطاني للعراق والذي كانت بوابته ميناء الفاو في البصرة.

فالبصرة لم تكن مدينة عادية في الخرائط الإستراتيجية البريطانية، ليس فقط لموقعها المتميز، بل وأيضا لاحتوائها على الجل الأعظم من احتياطي النفط في العراق وقربها من الخليج العربي عبر شط العرب، المنفذ البحري الوحيد للعراق، وبالتالي فهذا المنفذ محمي تلقائيا.

السبب الأهم هو أن البصرة في معظم حدودها محاددة لدول عربية حليفة مثل الكويت والسعودية، وبالتالي فان القوات البريطانية لن تجد صعوبة كتلك التي قابلتها القوات الأميركية في وسط العراق والتي واجهت مشكلة الحدود المفتوحة.

وبالتالي فان القوات الأميركية كانت تقاتل على جبهات متعددة، الأمر الذي قلل خسائر القوات البريطانية مقابل خسائر القوات الأمريكية، فخسائر البريطانيين عندما وصلت 100 قتيل كانت خسائر الأميركيين تتجاوز 2500 قتيل وضعفهم من المعوقين والجرحى.

أداء الإدارة الأمريكية ومشرعيها في العراق كثيرا ما لاقى امتعاض السياسيين وقادة الجيش الذين يعون بخبرتهم مخاطر التصرف الأهوج في العراق، ويعون فعلاً أن الأخطاء سوف تكلف الحلفاء في العراق أثماناً باهظة. وهذا ما حدث فعلا.

ومع تسارع دراما الأحداث في العراق والتي كان أبرزها ازدياد الخسائر البريطانية، قررت بريطانيا الانسحاب من البصرة مدعية أن العراق صار يتمتع بحكومة ديمقراطية وان العنف قد انخفض بنسبة 90%، حسب رأي رئيس الوزراء البريطاني غولدن براون الذي حاول إتمام ما قرره سلفه توني بلير بالانسحاب من العراق.

وبالتالي ينتظر أن تقوم القوات البريطانية بتسليم السيطرة الأمنية على محافظة البصرة للقوات العراقية الأحد المقبل. وأعلن ناطق باسم الحكومة العراقية أن (تسليم البصرة سيمضي قدما في السادس عشر من الشهر الجاري)، وقال الميجور جنرال مايك شيرر من الأمم المتحدة إن (تحديد موعد لتسليم المحافظة للسلطات الأمنية، أمر إيجابي للغاية وخطوة في الطريق الصحيحس.

عموما، انسحاب القوات البريطانية الذي لم تعلق عليه الإدارة الأميركية ربما ينهي فصلا طويلا من فصول قصة بريطانيا والعراق، ولكنه في الحقيقة سيفتح فصلاً جديداً من فصول قصة انتهاء التحالف البريطاني الأمريكي، لن يكون انسحاب بريطانيا فصله الوحيد بل أن هناك فصولاً أخرى.

أبرزها الملف النووي الإيراني والدفاع والتوازن الاستراتيجي في أوروبا والصراع العربي الصهيوني واشتراطات التحالف بين بريطانيا والولايات المتحدة، وسط عالم متغير صار صعب المزاج نحو كل ما هو أمريكي. وبالتالي فان على بريطانيا أن تستثمر أخطاءها في قصة العراق، لكي لا تكرر ذات الأخطاء وتنقاد في مغامرات وحسابات خطرة.

كاتبة عراقية