في الصيف الماضي احتفلت وكالة المخابرات المركزية الأميركية بعامها الستين، لكن هذا العمر الطويل لا يمثل بالنسبة لكاتب وصحافي مثل تيم واينر سوى قصة إخفاق.
في مقال يفيض بالنقد لإخفاقات المخابرات الأميركية، يقول واينر الصحافي في نيويورك تايمز ومؤلف كتاب (ارث الرماد: تاريخ وكالة الاستخبارات المركزية، نيويورك 2007) ان «الحرب هي الفشل المطلق للعمل الاستخباراتي، حين يفشل العمل الاستخباراتي فإن العاقبة هي الحرب الكورية 1950.
العاقبة هي فيتنام 1965، العاقبة هي 11 سبتمبر، العاقبة هي العراق اليوم، الحرب الطويلة التي ننخرط فيها الآن هي حرب استخباراتية وسوف ننتصر فيها أو نخسرها بفعل استخباراتنا». (تيم واينر): «كيف تصنع جاسوسا؟» ـ فورن بوليسي، سبتمبر ـ أكتوبر 2007).
الخلاصة التي أراد واينر ان يسمعنا إياها واضحة وجازمة: طوال 60 عاما ناضلت الولايات المتحدة لإيجاد وكالة استخبارات سرية من الطراز الأول، وفشلت».
وفي معرض تدليله على الفشل يسوق الكثير من البراهين والشهادات التي ادلى بها مسؤولون تولوا رئاسة الاستخبارات أو عملوا قريبا منها. وشهاداته تبدو صادمة للكثير من الأميركيين بل حتى المعجبين بأميركا وبسطوة مخابراتها في أي مكان من العالم.
وهو يرد شيئا من إخفاق الاستخبارات الأميركية إلى عامل مهم يتجاوز الموازنات الهائلة والأقمار الصناعية والحواسيب الدقيقة عندما يقول مثلا «الأميركيون يريدون من الأجانب أن يفكروا كما نفكر، أن يتحدثوا كما نتحدث، أن يكونوا مثلنا.
كما أن المحيطات التي حمت الولايات المتحدة لزمن طويل كانت أيضاً خليجا منعها من معرفة العالم». بل يمضي بشيء من السخرية للقول «ان عدد عاملي (السي أي ايه) الذين يستطيعون المساومة والمماحكة في بازار ما في طاجيكستان أو يأملون فهم محادثة سريعة باللغة العربية مازال صغيرا إلى حد الانعدام».
وحسب واينر، فإن تاريخ الاستخبارات الأميركية شهد أيضاً عقولا لامعة سعت إلى تطوير العمل الاستخباراتي وفهمت متطلباته وفهمت نقاط الضعف فيها. يعرج على أسماء عدة من الخمسينات وصولا إلى أيامنا هذه.
وفي السبعينات حسب واينر «بفضل مذكرة مثيرة للاهتمام رفعها إلى مدير الوكالة في ذلك الوقت وليام كيسي جاء فيها ان (السي أي ايه) تتحول ببطء لتصبح وزارة للزراعة، ترقى الشاب روبرت غيتس ليصبح رئيس التحليل الاستخباراتي في السي أي ايه».
ومن هذا الموقع، انتقل غيتس إلى رئاسة وكالة المخابرات المركزية الأميركية طيلة 14 عاما، وهي رئاسة يذكرنا واينر بها جيدا عندما يقول ان رئيس الوكالة الحالي الجنرال مايكل.أف.هايدن «هو المدير الأكثر قدرة منذ روبرت غيتس».
لا يخفي واينر إعجابه بروبرت غيتس الذي نقل عنه قوله أيضاً «إن الوكالة كانت تحفل بالهواة الذين يتظاهرون بأنهم خبراء وكان عملهم هامشيا»، ابعد من هذا ينقل عبارات لغيتس تظهر قدرته على معرفة نقاط الضعف المهلكة للوكالة عندما يقول «الوكالة مازالت منذ فترة طويلة غير قادرة على إرسال آسيوي ـ أميركي إلى كوريا الشمالية دون ان يتم التعرف على انه فتى خرج لتوه من كانساس».
لكن مقال واينر الهجائي لم يمر دون ردود فعل، ففي عددها اللاحق (نوفمبر ـ ديسمبر)، تنشر «فورن بوليسي» مناظرة صغيرة في زواية الرسائل لكنها كفيلة باستثارة المزيد من الجدل. فاحد منتقدي المقال وهو لوتش كيه جونسون أستاذ كرسي العلوم السياسية بجامعة جورجيا، يثني على أهلية واينر للكتابة عن الاستخبارات الأميركية، لكنه يرى ان مقاله «معيب في العمق».
ويذكره بحجة قوية «أثناء الحرب الباردة كان كل نظام تسلح ينشره الاتحاد السوفييتي من القنبلة الهيدروجينية إلى الصواريخ محلا للتنبيه المسبق من جانب محللي المخابرات الأميركيين..
إضافة إلى ذلك وفر واحد من عديد ضباط الوكالة المفيدين في الاتحاد السوفييتي اوليغ بينكوفسكي معلومات لا تقدر بثمن عن القدرات العسكرية السوفيتية». (اقرأ: وعد المخابرات الأميركية ـ فورن بوليسي (نوفمبر ـ ديسمبر 2007).
أوليغ بينكوفسكي ضابط المخابرات السوفيتي المنشق كان «جوهرة المخابرات المركزية» مثلما سماه ضابط «الأم أي 5» السابق بيتر رايت في كتابه الشهير «صائد الجواسيس». وهو إلى جانب منشقين اخرين مثل «ليالين» و«غولينفسكي» و«غوليتسين» كانوا عناوين انجازات معدودة في معارك الحرب الباردة، لكن مقابل هذه الأسماء يمكن ان يبرز الخصوم أسماء ذات دوي مزعج ويثير أسوأ الذكريات عن اكبر اختراق سوفييتي للمخابرات الغربية: شبكة الخمسة في بريطانيا..
دونالد ماكلين، غاي بيرغس، انتوني بلانت، كيم فيلبي، بل ان رأيت فجر القنبلة المدوية التي دوخت حكومة مارغريت تاتشر عندما لم يتردد في اتهام رئيس جهاز «الام أي 5» في الستينات روجر هوليس بأنه الخامس في هذه الشبكة. هذا إذا ما وضعنا جانبا السجل المخزي للسي أي ايه في الاغتيالات وتنظيم الانقلابات ضد الزعماء الأجانب المناهضين أو المستقلين عن أميركا ودعم فرق الموت في جمهوريات الموز ودول أميركا الجنوبية.
أما جيفري سميث المستشار العام السابق للمخابرات المركزية، فقد استفزه مقال واينر وقدح في صدقيته وصدقية مطالبته وحلوله التي اقترحها، لكنه لم يجد مناصا بالنهاية من طرح سؤال جوهري «كيف يمكننا أن نضمن النزاهة في النظام ونمكن ضباط المخابرات من قول الحقيقة للسلطة؟ بل الأهم هل سينصت الرؤساء؟».
انه السؤال الوحيد الذي يتعين علينا ان نطرحه أمام روبرت غيتس وزير الدفاع الذي أثار الضحك والاستياء أيضاً قبل أسبوع في المنامة بجوابه المتبجح حول إسرائيل التي لا تهدد دول الخليج ولا ترسل الإرهابيين ولا تدربهم. ولإنعاش ذاكرة هؤلاء المتجادلين وذاكرة روبرت غيتس خصوصا، فإن هناك إخفاقا آخر اسمه «جوناثان بولارد» كان يتجسس لصالح إسرائيل التي «لا تشكل تهديدا لدول الخليج» بل للولايات المتحدة على ما يظهره مثال بولارد.
لقد تم امتداح تقرير الاستخبارات الأميركية على انه محاولة من الاستخبارات لإعادة الاعتبار لنفسها ولعملها الاحترافي وتقديم الحقائق وتفادي النكسة التي أصابتها عام 2002 و2003 عندما أجبرت على تزييف الحقائق وتقديم الأكاذيب لتبرير غزو العراق، لكن غيتس الآن وزير للدفاع وليس رئيسا للمحللين لذلك فإن الحقائق لا تعنيه بل الدعاية والأكاذيب.
المسألة دوما في الغاية، وهذه لا علاقة لها أحيانا بالحقائق. فزيادة مبيعات الأسلحة وتنشيط صناعة الأسلحة الأميركية واسترجاع عوائد النفط يقتضي خلق مخاطر حقيقية لشراء الأسلحة والحرب هي أفضل الوسائل والطرق. على هذا فهو لم يفعل في منتدى «حوار المنامة» الأسبوع الماضي سوى قرع الطبول وإعادة إنتاج أكاذيب تقول عنها استخبارات بلاده أنها لم تثبت، وله العذر فهو الآن في موقع آخر لا علاقة لها بالتحليل ولا بالحقائق.
كاتب بحريني
