كعادة الفرسان تعالى الجيش اللبناني أمس على جراحه خلال تشييع جنازة رئيس أركانه العميد الركن فرانسوا الحاج ودعا كل الأطراف اللبنانيين إلى موقف تاريخي شجاع وتنازلات تضمن التوصل إلى مصالحة و توافق من دون شروط لانتخاب رئيس جديد.
وتأتى دعوة الجيش في خضم بحر من النزاعات التي أهدرت طاقة ووقت لبنان الشعبي والرسمي، ومزقته بين أطروحات المعارضة والموالاة، بطريقة تتجاوز المسار الديمقراطي والخلافات الحميدة، بل نقلته إلى مسار غير حميد، يسيء إلى استقلال هذا البلد العزيز على كل عربي، وتنتقص من قيمة العمل الديمقراطي، وتختزله في نزاعات حزبية لا ترتبط بمصلحة الوطن العليا بقدر ارتباطها بمصالح ضيقة وحسابات عرجاء لا ترى أبعد من أقدام أصحابها.
وتكتسب دعوة الجيش قيمتها الاستثنائية من كونها ولدت معمدة بدم شهيده، الشخصية الفذة موضع تقدير واحترام الجميع، وتجسيده لدور المقاتل العربي الذي نذر نفسه للدفاع عن استقلال ووحدة التراب اللبناني، والتصدي للاعتداءات الإسرائيلية التي لم تنقطع منذ القرن الماضي، واستهدفته شخصيا في حقبة الثمانينات من القرن الماضي بمحاولة اغتيال في الجنوب.
وتأتى دعوة قيادة الجيش للمصالحة غير المشروطة كرد شجاع وواع على محاولات أجنبية مدعومة من بعض الأطراف ذات الولاءات الملتبسة لجر الجيش إلى أتون الصراع العبثي على السلطة، ففي الدعوة إلى المصالحة غير المشروطة انتصار للبنان الموحد بكل طوائفه وتياراته دون حسابات خاطئة أو رضوخ للمحاصصة.
ذلك الأسلوب الذي يحول الوطن إلى مجرد «غنيمة» يمكن اقتسامها، في حين أن الجندي لا يرى في الوطن سوى حصن وحاضنة للجميع ورقعة مقدسة تفتدى بالدم دون انتظار مكافأة أو أجر.فأجر الشهيد أعظم وأجل في هذه الدنيا وفى عالم الخلود.
كما أن دعوة الجيش للمصالحة الوطنية غير المشروطة، أحرقت آخر أوراق المراهنين على فشل لبنان ووقوعه مرة أخرى في فخ الانقسام والوقوف على حافة الحرب الداخلية، لأن حرب الأفكار أخطر من حرب الرصاص والبنادق، فالوطن يفقد وحدته عندما تتجاذبه ولاءات وأفكار دخيلة تكرس الانقسام وتزرع بذور الفتنة.
وتحطم الإطار الوطني الجامع لأبنائه، وتضع مكانه الحزب أو الطائفة أو الزعامة ـ وهمية أو حقيقية ـ ويدفع المواطنون البسطاء فاتورة هذه التناحرات من قوت يومهم ومن دمائهم ومستقبل أولادهم.
ويصب في قناة دعوة قيادة الجيش للمصالحة الوطنية غير المشروطة، كونها أشجع وأجرأ رد على تصريحات المرجفين الذين سارعوا بتوجيه الاتهامات إلى دولة عربية شقيقة للبنان، وكرروا مطالبتهم لها بعدم التدخل، في تلميح إلى تورطها في جريمة الشهيد الحاج، وهو اتهام تدحضه العلاقات الطيبة التي ربطت الشهيد بكل الأطراف، وتعاليه دائما على التحزبات، وحرصه على ترسيخ عرى الوحدة في مواجهة العدو الرئيسي للبنان وهو إسرائيل.
ويعلي من شأن قيمة دعوة الجيش أنها وجهت باسم «دم الحاج » إلى الجميع لاتخاذ موقف تاريخي شجاع «يفضي بنا إلى جسور الثقة والتوافق بين الأطراف، والمسارعة إلى تحقيق المصالحة والوفاق من دون شروط أو مساومات وقيود».
وفى هذا السياق شددت قيادة الجيش على أن المصالحة والوفاق لا يتوقفان عند موازين القوى والتجاذبات السياسية، وأن سيل دماء الشهداء يستحق منا التضحية والتنازل، على أن تكون الثقة المتبادلة هي الضمانة الأساسية والوحيدة لجميع الفرقاء.
والشاهد أن دعوة قيادة الجيش تلخص مخرجاً من أزمة الفراغ الدستوري بعد خلو القصر الرئاسي من شاغله ، منذ ثلاثة أسابيع.
ومن المخجل أن يتناسى الفرقاء المتنازعون حقيقة أن دماء ثمانية شهداء لا تساوي الاتفاق على انتخاب رئيس جديد، وإنقاذ لبنان من محرقة صراعات لن تؤدي إلا إلى المزيد من الفرقة وإهدار الطاقات، والكرة الآن في ملعب السياسيين لإثبات أنهم ليسوا أقل وعياً من العسكريين.
