بالرغم من النبرة المتفائلة التي حرصت الادارة الاميركية على التأكيد عليها في مؤتمر انابوليس للسلام الذي رعته أواخر الشهر الماضي، والذي بدأت مفاوضات اللجان الفلسطينية الاسرائيلية وفقا لما هو مقرر لها امس - في الثاني عشر من هذا الشهر - وبالرغم ايضا مما عبرت عنه العديد من الدول من آمال لانطلاق عملية السلام في طريقها لتصل الى غاياتها مع نهاية العام المقبل ،2008 الا انه لم يكن غريبا او مفاجئا ان تتراجع حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي سريعا عن تعهداتها، وان تسعى جاهدة من أجل عرقلة جهود السلام حتى قبل ان تبدأ مفاوضات اللجان الفرعية الفلسطينية الاسرائيلية.

الوسائل الاسرائيلية لتحقيق ذلك جاهزة ويتم استخدامها وهي استمرار الهجمات الاسرائيلية على قطاع غزة، ومواصلة عمليات اغتيال وملاحقة الكوادر الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بحجة انهم مطلوبون، وتشديد الحصار، حصار الغذاء والوقود، وغلق المعابر على الفلسطينيين في غزة، والاكثر من ذلك تنشيط عمليات الاستيطان مرة أخرى في القدس الشرقية وبتحد صارخ لكل الأطراف.

وبغض النظر عن التبريرات والحجج الاسرائيلية المعروفة في هذا المجال فانه من الواضح ان حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت تسير بخطى متتالية على طريق الافشال المتعمد للمفاوضات التي اطلقها مؤتمر انابوليس للسلام في الشرق الاوسط، أو انها تمهد الطريق لمثل هذا الامر عبر انتهاج سلوكيات ومواقف لا يمكن ان تخدم هدف السلام المراد الوصول اليه.

فهل غيرت حكومة أولمرت مواقفها التي أعلنتها في انابوليس وأخذت في التراجع عندما لمست استعداد الجانبين الفلسطيني والعربي السير على طريق السلام والتسوية الشاملة؟ أم انها تريد افشال جهود الادارة الاميركية كعادتها ومحاولة القاء اللوم على الجانب الفلسطيني انتظارا للانتخابات الأميركية القادمة عام 2008؟

على أية حال فانه بالرغم مما هو معروف فإن الادارة الاميركية الحالية هي من أكثر الادارات الاميركية دعما ومساندة لاسرائيل، الا انه كان من المثير للانتباه ان تعارض اسرائيل مشروع القرار الذي قدمته واشنطن الى مجلس الامن الدولي لاصدار قرار بتأييد مؤتمر انابوليس للسلام وما تمخض عنه من مفاوضات فلسطينية اسرائيلية، وقد أدت هذه المعارضة الاسرائيلية الى سحب المشروع الامريكي والتراجع عنه، وهو امر واضح الدلالة.

وأكثر من ذلك فان إشارة وزيرة الخارجية الاميركية كونداليزا رايس الى ان الاستيطان الاسرائيلي لا يخدم جهود السلام لم تكف، كما هو واضح، لدفع اسرائيل الى وقف عمليات استيطانها في الاراضي الفلسطينية وعلى مشارف القدس المحتلة أيضا.

نعم انتقد بان كي مون الأمين العام للامم المتحدة عمليات الاستيطان الاسرائيلية، غير ان هذا الانتقاد وكل الانتقادات الدولية الاخرى لن تثني اسرائيل عن المضي قدما في مخططاتها، اللهم الا اذا قامت الادارة الامريكية بممارسة ضغوط جادة على حكومة أولمرت لوقف توسيع المستوطنات.

لذا ناشد الرئيس الفلسطيني محمود عباس ادارة الرئيس بوش والمجتمع الدولي بالتدخل لوقف الاستيطان الاسرائيلي الذي يضع ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر انابوليس في مهب الريح لأن الاستيطان يتناقض وبشكل صارخ مع هدف التوصل الى سلام عادل وشامل يعيد الحقوق الفلسطينية المشروعة، بما في ذلك اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة الى جانب اسرائيل.

اما الاعداد الاسرائيلي لشن عدوان واسع النطاق على قطاع غزة خلال الأيام القادمة، وهو ما تحدثت عنه الدوائر العسكرية الاسرائيلية، فانه سيضيف - في حالة تنفيذه - عنصرا آخر لتقويض عملية السلام وأمل التسوية العادلة، وبالتالي افساح المجال لمزيد من التوتر والتصعيد وعدم الاستقرار في المنطقة ولعل هذا تحديدا هو ما تريده اسرائيل وتدفع نحوه بكل السبل.