منذ أيام قليلة، تحديدا في 10 ديسمبر، مرت الذكرى السنوية التاسعة والخمسين لليوم العالمي لحقوق الإنسان، في الوقت الذي تعاني فيه شعوب منطقة الشرق الأوسط من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، تتمثل في أعمال عنف واحتلال واضطهاد وحرمان. فالشعب العراقي يعاني منذ سنوات من نير الاحتلال الأجنبي وممارساته اللا إنسانية التي أخذت أشكالا متعددة من تعذيب وقتل ونهب للثروات وتوليد للإرهاب الطائفي وخطر التقسيم الحقيقي الماثل في الأفق القريب.
ولبنان يتعثر منذ سنوات أيضا، خاصة بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ولا يخرج من حفرة إلا ليقع في حفرة أعمق أعدها له أصدقاء وأعداء لمآرب متعددة، فيما انغمس سياسيوه ومسؤولوه في لعبة كيل الشتائم والاتهامات وتسجيل النقاط على حساب أمن لبنان ووحدته واستقراره.
ولم يؤد اغتيال أحد كبار رموز المؤسسة العسكرية فيه مؤخرا، والمعروفة باستقلالها النسبي وبعدها عن المهاترات السياسية الدائرة، إلا إلى جولة جديدة من الاتهامات والشتائم من اللحظة الأولى لوقوع الجريمة الشنعاء، بدلا من أن يتنبه الفرقاء إلى خطورة ما يجري ويحكموا عقولهم وضمائرهم لتحديد المستفيد الحقيقي من تدهور الأوضاع والالتفاف حول هدف انتخاب رئيس جديد للبنان لوضع حد لحالة الفراغ الرئاسي قبل أن يتطور إلى فلتان أمني وسياسي كامل. أما الشعب الفلسطيني فإنه ما زال يتحمل الجزء الأكبر والأطول من المعاناة وانتهاك الحقوق الإنسانية في المنطقة، وربما في العالم.
فملا زالت إسرائيل مستمرة في سياسة الاغتيالات واستهداف المدنيين واغتصاب الأراضي وتدمير البيوت ومنع المواطنين من ممارسة أعمالهم اليومية حتى في حقولهم أو مناطق الصيد التي يكسبون منها رزقهم وقوت يومهم.
ولا تزال إسرائيل مستمرة في بناء الجدار العنصري وتوسيع المستعمرات وتضييق الحصار وتقطيع أوصال المناطق المحتلة ومنع حرية الحركة والتنقل فيها، حتى للمرضى والطلاب، وقلصت من كميات الوقود والكهرباء والمياه التي يتم تزويد قطاع غزة بها بعد أن أعلنت عن اعتبار قطاع غزة "كيانا معاديا".
هذه الإجراءات التعسفية أدت إلى ارتفاع نسبة الفقر في قطاع غزة إلى 80% ونسبة البطالة إلى 70%، وأثرت سلبا على جميع جوانب الحياة في المناطق المحتلة، وحولت المجتمع الفلسطيني إلى بيئة تعاني من مزيج من الفقر والحرمان وعدم الأمان والشعور بالغضب والإحباط واليأس.
كل هذا يتم تحت سمع وبصر المجتمع الدولي كله، بل ونتيجة لتآمر ومساهمة بعض أهم دول العالم التي ترى في استمرار تدهور الوضع في المنطقة حماية لمصالحها وحليفتها الرئيسية إسرائيل. وما يثير العجب أن هذه الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، هي نفسها التي تتشدق صباح مساء بحقوق الإنسان وترفع راية الديموقراطية وتدعي حماية الشعوب.
فهل وصل الاستهتار بالإنسان العربي إلى حد عدم اعتباره مشمولا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أم أن الشعوب العربية تفتقر إلى بعض مواصفات "الإنسانية" بحسب المفهوم الغربي لها؟ بأي حال من الأحوال، ربما كان الأجدر بالشعوب التي تعاني من الاضطهاد اعتبار العاشر من ديسمبر يوما عالميا لـ"حقوق النسيان" طالما أن العالم يصر على تناسي حقوق الإنسان فيها ويتعامل مع شعوبها بعيون مغمضة، طبعا ما لم ترتكب هذه الشعوب جرائم شنعاء مثل الدفاع عن أراضيها ومقاومة الاحتلال والمطالبة بالحقوق والسيادة.
عندها يتذكر العالم كله حقوق جنود الاحتلال (المساكين) الذين ذهبوا للنزهة ونشر رسالة الخير والمحبة، لكنهم قوبلوا بـ(همجية) غير مبررة من أهالي تلك البلاد. مفاهيم غريبة أقل ما يقال فيها إنها من النوع "المضحك المبكي"!
