مع نجاح حزب روسيا الجديدة بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين في انتخابات مجلس الدوما (البرلمان) ينتقل الرئيس بوتين لمرحلة جديدة من نشاطه السياسي الخارجي لإعادة ثقل وهيبة الحضور الروسي إلى الخارطة الدولية.

واستعادة حضور روسيا لموقعها التاريخي في قلب الأحداث، وإنهاء مرحلة كاملة من العزل والإقصاء الأميركية التي مورست بحقها منذ انهيار منظومة حلف فرصوفيا عام 1990.

ولاشك بأن الرئيس بوتين يحمل في طموحاته المعلنة مصاعب جمة نتيجة الأثقال والتركة الكبيرة من الأزمات والاختناقات التي مرت على حياة روسيا وشؤونها منذ انهيار منظومة الاتحاد السوفييتي السابق.

فخلال سنوات طويلة انزاحت فيها روسيا عن ساحة الفعل الدولي منذ عهد الرئيس بوريس يلتسين بعد أن كانت دولة القطب الدولي الآخر، ومن حينها مرت بمنعطف من الاهتزاز السياسي وفقدان الوزن مع انهيار الحزب والدولة ومؤسساتها، فضلاً عن تحطم المؤسساتية الاقتصادية في ظل نظام حاول منذ عهد الرئيس يلتسين التوجه صوب الليبرالية الاقتصادية والانفتاح المفاجيء.

ومنذ وصول فلاديمير بوتين إلى الرئاسة عام 2000، وقيامه بدور أساسي في استعادة دور الدولة وتقليل مساحة سيطرة القطاع الخاص على الكثير من الموارد، شهدت روسيا تحسناً اقتصادياً متنامياً ، كما شهدت تحسناً في حركة العلاقات السياسية والانفتاح غير المسبوق بين روسيا وعدد كبير من الدول والبلدان ذات الوزن الإقليمي في العالم وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص.

ولكن، ورب سائل يسأل عن الإمكانيات المتوافرة لدى القيادة الروسية لترجمة مساعيها على الأرض لاستعادة مجدها الغابر كقطب دولي، أم أن ذلك لا يعدو كونه مجرد سلوك ممانعة لدولة عادية؟

إن الإجابة على السؤال الافتراضي السابق، تشير إلى وجود إمكانية ملموسة لتفعيل السياسة الخارجية الروسية مع وجود بيئة وتربة دولية خصبة تنادي بضرورات التوازن في مصالح وحضور القوى في العالم بعد أن ضج العالم بأسره من السياسات الأحادية.

فالسلوك السياسي التوازني المطلوب من جانب روسيا والصين وحتى دول أوروبا الغربية مازال مطلباً ملحاً يداعب أحلام الكثيرين وخاصة في العالم الثالث، حيث يظهر الرئيس فلاديمير بوتين في المرحلة الراهنة وكأنه يتصدى لمهمة كبيرة، وهي إعادة التوازن إلى الواقع الدولي.

في هذا السياق، دفعت الطموحات الروسية، المتبوعة بالتطورات الاقتصادية والعسكرية بالرئيس بوتين وقيادة الكرملين بالعودة لبناء علاقات تعاون عسكري مع خارج حدود روسيا وإعطاء أولوية إضافية لتصنيع وتصدير للعتاد العسكري أولاً، والعودة لمفهوم الجغرافيا السياسية ووضع «موطئ» قدم في الساحات الحيوية، ومناطق نفوذ تعزز مكانة روسيا وهيبتها ثانياً.

وانطلاقاً من المعطى إياه والمتعلق بالجانب الأول، فقد طورت الصناعات الروسية أنواعا جديدة من الأسلحة و قامت بتوقيع عشرات الاتفاقيات لتصدير أنظمة الدفاع الجوي الروسي للعديد من البلدان في العالم، واستثمار التعاون العسكري والتكنولوجي مع الدول الأجنبية من اجل إقامة علاقات شراكة وثقة مع هذه الدول.

حيث باتت موسكو تملك أرقى منظومات للدفاع الجوي على مستوى العالم، وهي أنظمة تجد اسواقاً رائجة لها في الشرق الأوسط وبعض بلدان شمال افريقيا، وجنوب شرقي آسيا، وأميركا الجنوبية.

وفي الجانب الثاني، لم يأت الحضور العسكري الروسي خارج حدود روسيا مياهها الإقليمية من عدم، ووزير الدفاع الروسي أناتولي سرديكوف يعلن بصوت وبنبرة عالية قائلاً «نحن نعود إلى الشرق الأوسط لنرفع العلم الروسي».

ويضيف بأن «الأسطول الروسي سيعود للإبحار في مياه الشرق الأوسط، بل ويرسو على نحو دائم في قاعدتين في سوريا، بعد تغيب امتد لـ (16) سنة عن المنطقة» وذلك في إطار التعاون السوري الروسي العسكري، وفي سياق مساعي سوريا لإعادة بناء أنظمتها الدفاعية مع سيل التهديدات العسكرية الإسرائيلية.

وتقدر مصادر مختلفة بأن القوة الروسية المتوقع نشرها ضمن أسطول البحر الأبيض المتوسط الروسي ستضم (11) سفينة، بما فيها حاملة الطائرات التي تحمل (46) طائرة، وقارباً للصواريخ وأدوات ووسائل بحرية إضافية اخرى. إضافة لحاملة الطائرات (الادميرال كوزنتسوف) الموجودة أصلاً في مياه المتوسط.

وعليه فإن ثمة خططاً روسية لتوسيع رقعة نشاط أسطولي البحر الأسود والمتوسط الروسيين، وامتداده إلى البحر المتوسط وصولاً إلى المحيط الأطلسي، في دائرة العمليات هذه تحد دولاً من آسيا وافريقيا وأوروبا وفي هذه المناطق تتشكل علاقات جديدة متناقضة.

فالبحر الأبيض المتوسط يعتبر بالنسبة لأسطول البحر الأسود الروسي منطقة عمليات مهمة. فالأسطول الروسي كان الثاني في حجمه في العالم، ولكن انهيار الاتحاد السوفييتي أدى إلى تقليصه والى تعطيل نحو (805) من وسائل الإبحار.

ولكن في السنوات الأخيرة، وبسبب التحسن الكبير في الاقتصاد الروسي (ولا سيما بفضل المداخيل الهائلة من تصدير النفط والغاز) نقل الرئيس بوتين ميزانية كبيرة لتعزيز الأسطول، بما في ذلك بناء سفن جديدة.

وذلك ضمن إطار سياسته للعودة إلى طرح روسيا كقوة عظمى. كما أن التوسع البحري الروسي في البحر الأبيض المتوسط وفي المحيط الأطلسي جاء في أعقاب استئناف سلاح الجو الروسي قبل فترة من الزمن طلعات طائرات الطائرات الحربية المتطورة لديه فوق المحيط الهندي والمحيط الأطلسي. وخلاصة القول، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وبعد انتخابات مجلس الدوما الأخيرة أصبح موقعاً جديداً يتمتع فيه بمزيد من الحرية السياسية لاتخاذ خطوات ملموسة لإعادة حضور روسيا، وإنهاء سياسة إضعافها من قبل الآخرين في المنظومة الدولية.

بالرغم من خطورة التوسع الخارجي في الانتشار العسكري لأي من الدول الكبرى في العالم ونشوء موجة جديدة من تصعيد التوتر، وهز الاستقرار الهش في مناطق التوتر في العالم.

كاتب فلسطيني ـ دمشق