في السنوات القليلة الماضية، أصبح من الشائع للغاية القول إن التاريخ يُحدد بشكل كبير عن طريق القوى الكبرى غير الملموسة مثل التكنولوجيا والبيئة والجنس والنوع والطبقة والعرق. فنحن قد قللنا من دور الأفراد وكأن فكرة أن شخصا واحدا منفرداً يمكنه تغيير التاريخ قد أضحت فكرة بالية! بيد أن الأمر ليس كذلك بالتأكيد.

فلنأخذ مثالا الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي. فعلى امتداد 60 عاما، ظل نفوذ الدولة في فرنسا في زيادة متواصلة. وكان يُغدق على موظفي الحكومة بألقاب كبيرة وأموال طائلة عند التقاعد وذلك في الوقت الذي كانت فيه القدرة التنافسية الفرنسية في تراجع مستمر في ظل ظاهرة العولمة.

وعلى الصعيد الخارجي، اعتمدت السياسة الفرنسية بشكل تقليدي على أمرين: البقاء في حماية التحالف الديمقراطي الغربي ولكن في الوقت نفسه العمل بشكل انتهازي على الحديث بشكل سيئ عن الولايات المتحدة أمام الأنظمة الشمولية في مختلف بقاع العالم كي تنال رضا قادة تلك الأنظمة.

غير أنه أثناء أشهر الربيع الماضي، وصلت إلى المسرح الفرنسي شخصية إصلاحية تمتلك رؤية جديدة لفرنسا تقوم على إعادة هذه الدولة لتكون لاعبا دبلوماسيا رئيسيا على مستوى العالم يقدره الآخرون بسبب مبادئه ودفاعه عن القيم الغربية. لقد نجح ساركوزي وحده في استعادة صداقة فرنسا بالولايات المتحدة. وبدأ في إصلاح اقتصاد بلاده وعمل على استعادة قدرة فرنسا على جذب الاستثمارات.

غير أن ساركوزي ليس الوحيد الذي يبحر ضد التيار ويعمل على تدمير المفاهيم القديمة البالية.

في بداية 2007، أجمع كل النقاد على أن الحملة الأميركية في العراق مصيرها الفشل وعلى أننا خسرنا المعركة لا محال. غير أن القائد الأميركي الجنرال ديفيد بترايوس رأى الأمر بشكل مختلف حيث أرسل مزيدا من الجنود إلى العراق مع تغيير شكل التكتيكات بشكل كامل وتحسين الوضع الأمني للقوات.

وفي المقابل رأى أعضاء بارزون في الكونغرس الأميركي أن شهادته حول التقدم الجيد الذي أحدثه قرار زيادة القوات لم تكن صادقة. لم يعر بترايوس لهم أي اهتمام ومضى في إستراتيجيته الناجحة والنتيجة هي أن الجميع يعترف الآن أنه إذا لم يستطع بترايوس تأمين العراق، فإنه لن يستطيع أي شخص آخر في العالم تحقيق الاستقرار هناك.

وجاءت السياسية الصومالية وحامية حقوق المرأة أيان هيرسي الصومالية المولد هي الأخرى لتعيد رسم التاريخ في بلادها بشكل مختلف.

ما هو الأمر المشترك الذي يملكه كل هؤلاء الرواد الذين غيروا الأمر الواقع الذي يعيشون فيه؟ إنهم لم يتبعوا كلامهم بأفعال فحسب وإنما كانوا جميعا مستعدين لتحمل الانتقادات التي وجهت إليهم. ثانيا، على الرغم من أنهم يمتلكون عقائد سياسية قوية، فإن أحدا منهم لا ينحاز بشكل صارخ لتوجهه الحزبي ، فجميعهم يسعون إلى المصلحة المشتركة.

إن المحافظ ساركوزي عيّن شخصية اشتراكية على رأس وزارة الخارجية. وحتى يومنا هذا، فإن أحدا لا يعرف ما إذا كان بترايوس جمهوريا أم ديمقراطيا. إن مثل هؤلاء الرموز التي لا يصل إليها الخوف يمكنها تحقيق الكثير. إن هؤلاء يذكروننا بحقيقة أن هناك وجها للتاريخ ولكن هذا الوجه يمكن تغييره على يد مجموعة قليلة من الشجعان.

خدمة: «لوس أنجلوس تايمز»ـ خاص لـ «البيان»