رغم اتفاق جميع المشاركين في ندوة جمعية الاجتماعيين السنوية، التي عُقدت يوم الخميس الموافق السادس من ديسمبر 2007 في إمارة الشارقة، على الإنجازات الهائلة التي حققتها المرأة في دولة الإمارات العربية المتحدة في العقود الثلاثة الماضية، فإن الجميع مازال يرى وجود العديد من المستويات والطموحات التي لم تحصل عليها المرأة الإماراتية حتى الآن.

فعلى الرغم من الإنجازات الهائلة التي حققتها المرأة في الدولة في العديد من المجالات مثل التعليم والعمل والمشاركة السياسية، فإنها لم تحصل حتى الآن على كافة حقوقها المختلفة بما يتناسب مع المستوى التعليمي الذي وصلت إليه في السنوات الأخيرة. فلقد أصبح التعليم على سبيل المثال واحداً من أهم المتطلبات بالنسبة للفتاة الإماراتية، وهو الأمر الذي جعل الأسرة نفسها تشجعها على الحصول عليه والاهتمام به.

فلم تعد قضية التعليم مسألة تعاندها العادات والتقاليد، بقدر ما أصبحت ضرورة حيوية من ضرورات الحياة المعاصرة بالنسبة للفتاة الإماراتية وبالنسبة لأسرتها.

لقد نجحت التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الإماراتية منذ نشأة الدولة الحديثة في خلق سياق عام مشجع لتعليم المرأة. ومن اللافت للنظر هنا أن النظام السياسي لعب دوراً كبيراً في نشأة الجامعات الحكومية، وعلى رأسها جامعة الإمارات، من ناحية، وتشجيع الإناث على التعليم من ناحية أخرى.

وربما أدى هذا التشجيع إلى القبول المجتمعي الواسع المدى من جانب المواطنين لمسألة تعليم الإناث، وبشكلٍ خاص في مراحل التعليم الجامعي. فتدخل الدولة والقيادات السياسية في الحض على التعليم خلق مناخاً عاماً مواتياً ومنفتحاً نحو تعليم الإناث، متجاوزاً بذلك العديد من التحديات البنيوية الاجتماعية.

لكن تعليم المرأة شيء وحصولها على عمل يتناسب وإمكانياتها شيء آخر؛ فمازالت المرأة تواجه صعوبات كثيرة في مجال العمل والإسهام الاقتصادي. ويُحمد للندوة والقائمين عليها التركيز على المحور الاقتصادي الخاص بالمرأة الإماراتية، وافتتاح الندوة به. فقبول المرأة في سوق العمل، مع ما يرتبط بذلك من ارتقائها قياديا، يمثل التحدي الحقيقي لمستقبل المرأة في دولة الإمارات.

فإذا كان تعليم المرأة قد أصبح مسألة مقبولة مجتمعياً، وربما مفروغا منها، لا تستدعي النقاش والجدل، فإن عمل المرأة وخروجها لسوق العمل وحصولها على المناصب القيادية المختلفة لم يتحقق بذات السهولة التي تحقق بها التعليم. فمازالت هناك العديد من الصعوبات البنيوية من ناحية، والصعوبات المرتبطة بالمرأة نفسها وتصورها لذاتها من ناحية أخرى.

فعلى المستوى البنيوي ما زالت المرأة تواجه تلك التحيزات المستترة ضدها في سوق العمل. فهناك مساحة كبيرة من رفض الدور القيادي للمرأة من جانب الرجل، وهى مسألة تحكمها تلك التصورات الذكورية الحاكمة لبنية التفكير، ليس فقط على مستوى دولة الإمارات.

ولكن أيضاً على مستوى العالم العربي ككل. وهى صورة تتسم بقدر كبير من التحيز محورها الرئيسي صعوبة تصور أن تتساوى المرأة بالرجل، ناهيك عن أن تسبقه، قياديا ومجتمعيا.

وعلى الرغم من وجود وزيرتين في الحكومة الحالية، إضافة إلى ذلك التمثيل الجيد في المجلس الاتحادي، فمازالت المرأة بعيدة عن المشاركة الواسعة في سوق العمل، مع ما يستتبعه ذلك من حصولها على مناصب قيادية مختلفة في كافة مؤسسات العمل الرسمية والخاصة على السواء.

وفي هذا السياق أشار بعض المشاركين إلى الدور الذي تقوم به الأسرة في فرض تخصصات معينة على الفتاة بما يجعلها تعمل مستقبلاً في قطاع التعليم بعيداً عن تلك التخصصات العملية المطلوبة مثل الطب والهندسة والإدارة.

وهو الأمر الذي يفسر تلك الأعداد الضخمة من الطالبات اللاتي يلتحقن بكليات التربية والعلوم الإنسانية والاجتماعية. ورغم تغير هذا الاتجاه من سنة لأخرى وزيادة أعداد الطالبات في التخصصات المختلفة فإن الكليات المرتبطة بالتدريس مازالت تحوز على نصيب الأسد ضمن أعداد الطالبات الملتحقات سنويا بالتعليم الجامعي. وكما تغير الاتجاه نحو تعليم المرأة فإنه من المتوقع أيضاً أن يتغير الاتجاه نحو عملها والتخصصات المختلفة المرتبطة بها.

فهناك بعض المؤشرات التي تكشف عن تزايد أعداد الطالبات الملتحقات بالكليات العملية، ورغم أن هذه المؤشرات مازالت في بداياتها الأولى، إلا أنها تؤشر على إمكانية تزايد تلك التحولات والتنوع المرتبط بسوق العمل مستقبلاً.

وفي ضوء الخلل الحادث في التركيبة السكانية الآن، وفي ضوء الاحتياج لكل الأيدي العاملة الوطنية الموجودة في الدولة، فإنه من الضروري أن يتغير التوجه نحو عمل المرأة بشكلٍ عام، ونحو التخصصات المرتبطة بها بشكلٍ خاص.

فمن غير المعقول حصر المرأة في الوظائف التقليدية المتعارف عليها عالمياً مثل التعليم والتمريض، فمن حق المرأة أن تكون مهندسة وطبيبة ومحاسبة...الخ من كافة التخصصات المختلفة، حتى لو بدت هذه التخصصات أقرب للرجل منها للمرأة.

فالمحددات التي يتم من خلالها تحديد تخصصات بعينها للمرأة دون الرجل هي محددات اجتماعية لا تعكس في التحليل النهائي تفوق الرجل على المرأة، بقدر ما تعكس تلك التوجهات البنيوية التي تفرض على المرأة توجهات بعينها تجعلها ترتبط بأنشطة ومجالات دون غيرها.

وعلى مستوى المرأة ذاتها، فإن هناك العديد من التحديات التي يجب أن تتجاوزها المرأة وتعمل على مواجهة العالم المحيط بها بأطر ورؤى تقدمية جديدة. صحيح أن البنى الاجتماعية التقليدية تلعب دوراً كبيراً في الضغط على المرأة، وصياغة العالم المحيط بها والمشكل لها، لكن الغريب في الأمر أن تستدمج المرأة تلك التصورات والرؤى لتصبح جزءاً لا يتجزأ من بوصلة سلوكها المجتمعي.

فبعض المشاركات في المؤتمر قد أشرن إلى ضرورة تهيئة مكان العمل من أجل استيعاب المرأة العاملة، وكأن المرأة تفصِّل سوق العمل على مزاجها وفقاً لتوجهاتها الأيديولوجية المختلفة. من الممكن الحديث عن توفير بعض الخدمات اللازمة لعمل المرأة مثل دور الحضانة ورعاية الأطفال.

لكن المرأة يجب أن تقبل بشروط العمل الذي تلتحق به طالما أنها تحصل على مستحقاتها المادية بشكلٍ عادل مثلها مثل الذكر.

كما أن المرأة يجب عليها أن تعمل بجد وبحزم في الوقت نفسه، ولا تستخدم طبيعتها الأنثوية كذريعة للتقاعس عن العمل، أو كذريعة للقيام بالعمل السهل غير المقنع للمجتمع بشكلٍ عام وللرجال بشكلٍ خاص.

إضافة إلى ذلك، فعلى المرأة ألا تقبل بأية شروط بنيوية مجحفة، وأن تعمل باستمرار على المطالبة بحقوقها المختلفة، واضعين في الاعتبار تلك التسهيلات التشريعية والسياسية التي تقدمها الدولة لها والتي يجب أن تشجعها باستمرار على المطالبة بحقوقها المختلفة. ومن الضروري هنا أن تتجاوز المرأة أية أطر تقليدية رجعية تعود بها إلى الخلف، وتكبح تقدمها وتطورها.

أخيراً يجب الإشارة إلى أهمية هذه الندوة من حيث اهتمامها بالمرأة ذات الاحتياجات الخاصة، والمطالبة المجتمعية بتقديم كافة الاحتياجات الخاصة لها، وهو ما عبرت عنه بامتياز إحدى المساهمات في هذه الندوة من خلال الحديث عن المرأة الصماء ذات القدرات غير المحدودة.

إن مستقبل المرأة في دولة الإمارات يستدعي تكاتف كافة الهيئات والمؤسسات المجتمعية المختلفة، إضافة إلى تلاقي الرجل والمرأة على أرضية المساواة من ناحية وعلى أرضية الرغبة في تقدم المجتمع وتطويره من ناحية أخرى. فمن خلال هذا التلاقي يمكن تفعيل دور المرأة بشكلٍ كبير وواسع المدى اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا بما يضمن مستقبلاً مشرقاً للجميع.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com