يحمل الاعتداءان الإرهابيان على مقري المجلس الدستوري والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين في الجزائر، من حيث المكان والزمان، دلالات على أن الإرهابيين خططوا واختاروا أهدافهم.
فالتاريخ هو 11 ديسمبر، والمكان شارع 11 ديسمبر 1960، واستهداف مكاتب منظمات الأمم المتحدة يفسر على أنه إدانة لمواقف المجتمع الدولي المساند لجهود الجزائر لاستئصال ظاهرة الإرهاب، علماً بأنه في 11 ديسمبر 1960 استحوذت المظاهرات الشعبية المطالبة باستقلال الجزائر على اهتمام الرأي العام الدولي وقامت الأمم المتحدة بإدراج ملف القضية الجزائرية في جدول أعمالها.
العمليتان تبناهما تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي سبق وأن أعلن ولاءه لتنظيم القاعدة الدولي.
وما يعرف عن هذا التنظيم الذي تقوده الجماعة السلفية للدعوة والقتال المنشقة عن الجماعة الإسلامية المسلحة في التسعينيات أنه يجمع في صفوفه عناصر لها سوابق عدلية كما أن العديد منها معروف أيضاً في الأوساط الشعبية بانتمائه إلى الأسر والعائلات التي ناصرت فرنسا إبان ثورة التحرير الجزائرية وقاتل وقتها أبناؤها المجاهدين الجزائريين.
بالإضافة إلى قتلهم للمدنيين ولا يزال الجزائريون يتذكرون، إلى اليوم، وحشية هؤلاء الجزائريين الذين وقفوا إلى صف فرنسا الاستعمارية بل منهم من تجاوز وحشية الفرنسي!! وعندما استقلت الجزائر هرب الآلاف منهم بمعية المستعمرين إلى الأراضي الفرنسية وبقي البعض الآخر يعيش في الخفاء.
ولكن يظهر أن التاريخ يعيد نفسه فهاهم أبناؤهم يرثون حقدهم للجزائر من آبائهم وسارعوا إلى الانضمام إلى الجماعات المسلحة متسترين وراء الدين لزرع القتل في نفوس المدنيين ووصل حقدهم إلى حد نبش قبور مجاهدي ثورة التحرير!!.
لقد عرضت وسائل الإعلام الجزائرية، أكثر من مرة، شهادات لعناصر الجماعات الإرهابية تنتمي إلى هذه الأسر المنبوذة وهي تعترف صراحة بمسؤولياتها عن تنفيذ عمليات إرهابية وعبرت، أكثر من ذلك.
صراحة عن كرهها للجزائر ولثورتها وهذا ما يفسر سبب اختيارهم ليوم 11 ديسمبر لتنفيذ جريمتهم، علماً أن هذا اليوم يعد يوماً يحتفل فيه الشعب الجزائري بذكرى أرواح من سقطوا شهداء في المظاهرات التي خرج فيها الشعب عام 1960 مطالباً بالاستقلال وسقط وقتها المئات من المدنيين شهداء برصاص الجيش الفرنسي ومن كان يساندهم من الجزائريين الملقبين بالحركي.
ولا يقل إرهاب الاستعمار الفرنسي عن إرهاب الجماعات المسلحة الجزائرية، فقد كانت الجزائر ، منذ التسعينيات، من أوائل دول العالم التي عانت من ويلات الإرهاب مخلفاً مئات الآلاف من القتلى المدنيين والعسكريين الأبرياء، إلى أن جاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة حيث تمكنت الجزائر في عهده، من استرجاع عافيتها.
وذلك بفضل سياسة العفو والمصالحة والتي بمقتضاها سلمت العديد من العناصر الإرهابية نفسها لسلطات العدالة بينما رفضت عناصر أخرى إلقاء السلاح مفضلة مواصلة العمل الإرهابي لكن هذه المرة تحت لواء تنظيم القاعدة بهدف إفضاء الصبغة الدولية لعملياتهم واستقطاب عناصر جديدة من دول المغرب العربي.
وللحقيقة فقد مكنت سياسة العفو والمصالحة الجزائر من استرداد عافيتها رغم المآسي التي خلفها الإرهاب، فلم يكتف الرئيس الجزائري باستئصال جذور الإرهاب بل أشرك الجزائريين في برامجه التنموية وادخل مفاهيم جديدة تحث على ضرورة التعاون الجماعي والعمل الجاد لإعادة الجزائر إلى سابق عهدها.
فانطلقت المشاريع الاقتصادية والاجتماعية في معظم مدن الجزائر ومكن الاستقرار الأمني والسياسي من دخول الاستثمار الأجنبي كما ساهم ريع النفط في تنفيذ مشاريع كانت معطلة طيلة سنوات الدمار.
لكن يظهر أن حالة اليأس التي يتخبط فيها من تبقى من عناصر التنظيمات المسلحة هي التي دفعتهم إلى تنفيذ عمليات همجية وسط المدنيين لإسماع صوتهم والقول بأنهم لا يزالون يتمتعون بالمقدرة على تنفيذ هجماتهم.
هذا إذا علمنا أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أصبح يتخذ من الجزائر قاعدة لعملياته الإرهابية متبعاً ذات الطرق التي ينتهجها تنظيم القاعدة الدولي من خلال تصوير العمليات وإرسال البيانات إلى وسائل الإعلام الدولية مباشرة بعد القيام بأي عملية.
وهنا تظهر ضرورة التنسيق الأمني والاستخباراتي بين دول منطقة المغرب العربي التي أصبحت منطقة خصبة للعمل الإرهابي، فالتنظيمات المغاربية تريد تعطيل عجلة التنمية بعدما فقدت شعبيتها وافتضحت خططها التي كانت تتحجج بها معللة عملياتها بمحاربة الحكومات لإقامة دول الإسلام العادلة لكنها راحت تقتل المدنيين وتحرق الأخضر واليابس.
فالإرهاب لا لون ولا حدود له فهو مشكلة دولية مثلها مثل المشكلات الدولية كمرض السيدا والأوزون والسلاح النووي والفقر والمجاعة، فجميعها مشكلات تستدعي أن تعتمد الدول على بعضها البعض لمواجهتها لأن مثل هذه التنظيمات إنما تتستر خلف الدين وتوظفه كذريعة لعملها الإرهابي.
فهي تشوه الدين والتاريخ وتزرع الموت وتعادي التنمية ولذلك يتوجب استئصالها، والاستئصال لن ينجح إن لم تتعاون الدول وتتكاتف قبل أن تسلط السيوف على رقابها وتقع الفأس على الرأس.
كاتب جزائري