انعقد الأسبوع الماضي في مدينة الدوحة مؤتمر قمة دول مجلس التعاون السادس والعشرون، بحضور رؤساء كل الدول الخليجية دون استثناءات أو اعتذارات من أي من قادة دول المجلس. وهو مجلس رغم بطء إنجازاته مقارنة بمطلب الوحدة ورغم كثير من النقد الذي وجه له من أطراف عربية وأخرى إقليمية من كونه يمثل تجمع العرب المحافظين أو العرب الأغنياء في مقابل العرب «الراديكاليين» والفقراء.
وهو تجمع وصفته الكثير من الأقلام الصحفية والفكرية العربية بقصد من كونه «نادياً للأغنياء»، وهو تجمع رغبت بعض الدول الواقعة على أطرافه دخوله لاعتقادها أن دخولها هذا قد يحل معضلاتهم الاقتصادية ويقيهم مشكلات الفقر.
كما إن بعضهم الآخر قد تمنى له الفشل وهي أمنية لم تتمثل على أرض الواقع، فكان الفشل من نصيب المجالس العربية الأخرى في مشارق العرب ومغاربها والتي جاء تشكيلها كردة فعل على تشكيل مجلس الأغنياء.
وهي مجالس أودت بها السياسة والنزاعات الأيديولوجية ولم تذهب محاولات التقارب فيها عن رغبة في مجاراة الآخر أو مقارعته. في حين تمكن مجلس التعاون من مواجهة العقبات رغم تلكؤ تقاربه السياسي وتطور تعاونه الاقتصادي الذي في خيال العامة المحلية دون الطموح.
وأعتقد أن بعضا من العرب قد نظر لمنطقة الخليج وربما مازالوا ينظرون إليها بقدر من الاستعلاء وفي هذا يستوي الإسلاميون واليساريون والليبراليون، لربما يجسد شريط أحد الدعاة العرب فيما يخص الكويت والكويتيين ذلك والذي أبعد بسببه من إحدى الدول الخليجية.
وهي نظرة قد شكل النفط والثروة النفطية هامشا منها أو ما أسماه بعض الكتاب في حينها بلعنة النفط على العرب، وثانيا حقيقة إن عمليات التحديث في هذه المنطقة لم تتم في بعض أقطاره إلا في النصف الثاني من القرن العشرين.
إلا إن كل هؤلاء المنتقدين لم تمنعهم مواقفهم هذه من طلب اللجوء السياسي فيها كبعض قادة الجماعات الإسلامية العربية في البلاد العربية أو أولئك المبعدين بتهم أمنية وغيرها من الغرب والولايات المتحدة الأميركية وأن يبحثوا عن الأمان السياسي والثراء المعيشي في المنطقة. حتى أولئك الفارون من اليسار من بطش الأنظمة العربية الشمولية قد وجدوا الأمان المعيشي وعاين قدرا من تحوله الفكري في المنطقة.
وأعتقد أن واحدة من أهم الأسباب التي ساعدت المجلس على الاستمرار رغم الأعاصير السياسية المحيطة به وأماني الفشل من الآخر، هو النفط ذاته الذي مكن دول المنطقة مقارنة بدول عربية وإقليمية نفطية أخرى من أن تحقق معدلات مرتفعة من التنمية البشرية وأن تحقق قدرا عاليا من الانجاز الاقتصادي المتسارع في سنيها الأخيرة، و ثانيا شعور دوله الصغيرة والكبيرة من أنها محاطة بأنظمة سياسية قد تناصبها العداء بسبب ثرائها أو بسبب علاقتها بالغرب.
وليس بخاف أن الوجود العسكري الغربي والذي جاء على أثر الغزو العراقي للكويت قد حقق للمنطقة قدرا من الأمان والاستقرار السياسي، رغم عداء بعض دول الجوار الخليجي: إيران والعراق سابقا للغرب والولايات المتحدة الأمريكية.
وقد دفع شعور الاستهداف هذا دول المنطقة للتكتل من ناحية ولتقديم تنازلات متبادلة فيما يخص نزاعاتها الحدودية أو حلها بالركون للوسائط الدولية من ناحية أخرى. ورغم إن هذه «التظبيطات» الحدودية قد تراها بعض الأطراف تنازلات مؤلمة إلا إن الأخذ بخياراتها قد جنب المنطقة الكثير من النزاعات الحدودية التي تعيش بعض الأقطار العربية حالة من حالاتها.
أما السبب الثالث الذي قد أعطى المجلس قدرة أكبر على الاستمرار هي إن دولها تتسم بكونها أنظمة سياسية محافظة، أنظمة لم تكتسب شرعيتها السياسية على أسس أيديولوجية محددة: قومية أو اشتراكية أو إسلامية كما هو الحال في جل الدول العربية.
وإنما ساعدت شرعيتها التقليدية على أن لا يمثل الحكم محور نزاع أو اختلاف الأمة كما هي في الحالات العربية الأخرى، بل إن شرعيتها التقليدية قد دعمت من استقرارها السياسي بخلاف الشرعيات الأيديولوجية والثورية التي باتت تمثل وبالا على استقرارها السياسي وأدائها الاقتصادي.
وأعتقد أن دول المنطقة وبخلاف الدول العربية والإقليمية النفطية الأخرى قد وظفت جزءا مهما من ثروتها النفطية في بناء بنيتها الأساسية التي شارك المهاجرون العرب والأجانب في تشييدها.
كما إن جزءا من هذه الثروة قد وظف في محاولات تنويع مصادر الثروة وفي إطار تعزيز الشرعية التقليدية القائمة، والتي كما يبدو من الكثير من المعطيات بحاجة لقدر من التدعيم المستمد من أسس الشرعيات الحديثة والتي قد يعبر عنه في المنطقة في محاولات إحداث قدر من التحديث السياسي الذي يصيب بعض آليات صناعة القرار وهو جانب لا بد أن يولى قدرا أكبر من الحراك متدرج التطور.
بمعنى ألا تكون هذه المحاولات غاية في ذاتها بقدر ما تكون أحد أهم آليات تدعيم أنظمة الحكم واستقرارها، وهي آلية يتناغم تدعيمها بقدر أكبر من النمو الاقتصادي وليس العكس.
بمعنى أن يكون تصاعد وتائر معدلات النمو الاقتصادي التي تعيشها المنطقة بابا آخر يتم من خلاله تدعيم آليات وعمليات التحديث السياسي في دول مجلس التعاون المبني على الشراكة في الثروة القومية وهي مسألة لا بد أن تولى اهتماما أكبر وأوسع.
وخلاصة قولنا هي أن الاقتصاد يبقى آلية مهمة من آليات تدعيم حالة الاندماج في المنطقة وهي آلية رغم بعض المصاحبات التي قد تأتي بها أو معها، إلا إنها تمثل مع ذلك الآلية المهمة لتحقيق الوحدة من ناحية وتقليل هامش الاختلاف والنزاعات السياسية من ناحية أخرى.
فالاقتصاد قد بات يشكل في عالم اليوم، رغم حجم النزاع والتنازع حوله،القوة القادرة على جمع الأمة في حين باتت السياسة في المنطقة العربية مصدر نزاع وشقاق وحروب رغم ما قد يثيره البعض من قول إن كل النزاعات العربية مصدرها الاقتصاد. والله من وراء القصد.
كاتب بحريني