بعد الإعلان الليبي الشهير بالوقف الطوعي لبرنامجها النووي العسكري والترحيب الأميركي الأوروبي الفوري والحار بهذه المبادرة «الشجاعة والحكيمة» بوصف الرئيس الأميركي بوش في واشنطن ورئيس الوزراء البريطاني بلير في لندن ، وبعدهما رؤساء الحكومات الأوروبية والتي فتحت الباب لعودة العلاقات الدبلوماسية بين طرابلس ولندن وواشنطن وباريس وتنشيطها مع العواصم الأوروبية .

لم ينقطع توافد القادة الأوروبيين على طرابلس ولم يتوقف دوران فناجين القهوة العربية في خيمة القذافي المنصوبة في صحراء «سيرت» الليبية عن المرور على شفاه الوفود الأميركية والأوروبية فضلاً عن الأفريقية والعربية التي توافدت على العاصمة الليبية لأهداف اقتصادية بعد انهيار الحواجز السياسية إلى حد دعوة الزعيم الليبي معمر القذافي لإلقاء كلمة في البرلمان الأوروبي في بروكسل.

وقبل ذلك ساهمت التسوية القضائية لقضية الطائرة الفرنسية فوق النيجر، ولقضية الطائرة الأميركية فوق لوكربي بوساطة سعودية وجنوب أفريقية فى بدء انفراج العلاقات الليبية الأوروبية من البوابتين البريطانية والإيطالية.

وبينما يقوم الزعيم الليبي حاليا بجولة أوروبية أثارت الكثير من الاهتمام والجدل الإعلامي بدأت بالبرتغال لحضور القمة الأفرو أوروبية ومرت بفرنسا بعد 34 عاما من زيارته الأولى لها عام 73 التي كسرت حظر السلاح الفرنسي عن العرب بخمسين طائرة ميراج ساهمت ليبيا بسرب منها في حرب أكتوبر73.

وفى الزيارة الحالية لقصر الإليزيه وقصر اليونسكو ووسط جو من الترحيب والجدل دعا لزيارة البرلمان الفرنسي وللقاء المثقفين الفرنسيين، وحين أشار في حديثه معهم إلى التشابه بين الثورتين الفرنسية التي أقامت أول جمهورية، والليبية التي أسست أول جماهيرية .

أعادني ذلك لمشهد زيارة الرئيس الفرنسي شيراك التاريخية لخيمة القذافي في سيرت، لقد سبق شيراك إلى ليبيا العديد من القادة الأوروبيين، كان في مقدمتهم رئيس الوزراء الإسباني إزنار والبريطاني بلير والإيطالي بيرلسكوني والألماني شرودر والأوروبي برودي وعدد من الوفود البرلمانية الأميركية.

ولم يكن ثبات المشهد نابعاً من أنها الزيارة الأولى لرئيس فرنسي لليبيا منذ استقلالها عام 1951، أو لأن فرنسا التي كانت تقود في الواقع الاتحاد الأوروبي كانت ترسم خريطة غير أميركية لشراكة إستراتيجية أوروبية - أفريقية مع ليبيا التي تشكل واجهة الاتحاد الأفريقي..

بل من عودة إلى التاريخ الذي تتوالى وتتشابه مشاهده وتتبدل معاييره من عصر إلى عصر فإذا أعداء الأمس هم أصدقاء اليوم وحكماء اليوم هم مجانين الأمس وإرهابيو الأمس هم ثوار اليوم، وثوار الأمس هم رؤساء الدول اليوم!

ربما أعادتني إلى التاريخ في هذا المشهد السياسي المثير لافتة واحدة بين لافتات الترحيب بشيراك علقت على أحد الجدران في الشارع الليبي الذي طغى عليه شعور البهجة بتلاشي الحصار الذي فرض عليهم لعشر سنوات والذي تمثل زيارة شيراك أحد أبرز ملامحه بعد نزاع طويل. حملت اللافتة جملتين بسيطتين في صياغتهما، عميقتين بعمق التاريخ في دلالتها.. «لقاء الثورتين الفرنسية والليبية ز، لقاء «الجمهورية» الأولى و«الجماهيرية» الأولى.

أعادتني هذه اللافتة إلى إعادة قراءة المشهد السياسي الحالي من جديد بخلفيته التاريخية، ولأتأكد من جديد بأن التاريخ يعيد انتاج نفسه متشابهة حلقاته ولا تتكرر وقائعه.

استعدت بدايات الثورة الفرنسية عام 1789 بمبادئها الشهيرة الحرية والإخاء والمساواة وتمثلت أمامي مشاهد لم أشاهدها لسقوط سجن الباستيل في يد الثوار وإعلان أول جمهورية في التاريخ الحديث..

واستعدت تحالف النظم الأوروبية التقليدية في محاولة لعزل وحصار وإسقاط هذه التجربة الجديدة، ولكن مع الإرادة الشعبية التي ساندتها، ومع الصمود في وجه الحصار بقيت الثورة الفرنسية بمبادئها الثلاثة وجمهوريتها الأولى مصدر إلهام للعديد من المتغيرات الديمقراطية في أوروبا بل وفي العالم.

وعلى الفور تذكرت بدايات الثورة الليبية عام 1969 وما واجهته من تحديات ، تحدي القواعد العسكرية الأجنبية هويلس الأميركية والعضم البريطانية والتي طردتها الجماهيرية، وأطلقت على الأولى قاعدة «جمال عبد الناصر» وعلى الثانية قاعدة عقبة بن نافع، في إشارة عربية إسلامية ذات مغزى لتوجهات الجماهيرية سواء نحو أفريقيا أو نحو أوروبا.