منذ 45 سنة والعلاقة بين فرنسا والجزائر تتجاذبها الأمواج تارة، والسكينة والهدوء تارة أخرى. فهناك أمر غير طبيعي بين البلدين، مصلحة اقتصادية متبادلة ومصالح مشتركة عديدة بسبب القرب الجغرافي والبعد الاستراتيجي والتكامل الاقتصادي ناهيك عن وجود جالية جزائرية معتبرة في فرنسا والتي تعتبر أكبر جالية على الإطلاق في البلد.
ما يعكر صفو هذا التكامل وهذه المصالح في الاقتصاد والتجارة بين البلدين، هو التاريخ المرير الذي جمعهما في استعمار استيطاني غاشم دام لأكثر من 130 سنة. الإشكال المطروح هو تعنت الطرف الفرنسي من الرئيس شارل ديغول إلى الرئيس ساركوزي وعدم اعتذار الطرف الفرنسي للجزائر عن مجازر وجرائم الاستعمار.
زيارة مثيرة للجدل قام بها ساركوزي للجزائر أثمرت عن صفقات تجارية ومشاريع قدرت بخمسة مليارات يورو وشراكة بين البلدين في مجال الطاقة والمواصلات والإنشاءات والمجال النووي المدني. الزيارة أثارت جدلاً كبيراً في الشارع الجزائري حول تعنت الطرف الفرنسي فيما يتعلق بالاعتذار عن الجرائم التي ارتكبتها فرنسا في الجزائر خلال 130 سنة من الاستعمار الاستيطاني الغاشم، استعمار كان الأسوأ في تاريخ البشرية. زيارة ساركوزي للجزائر جاءت في إطار التجارة والاقتصاد والسياسة حسب النوايا والأهداف الفرنسية. بالنسبة للجزائر وخاصة الرأي العام والشارع فلا ضرر أن تكون هناك صفقات في مجال البترول والغاز والطاقة والمواصلات لكن هناك مطلباً عزيزاً وغالياً ويكاد يكون مقدساً عند الجزائريين وهو الاعتذار على جرائم استعمار غاشم دام أكثر من 130 سنة.
أعقبت زيارة ساركوزي موجة احتجاجات واسعة أخذت طابعاً تصعيدياً بعد رفضه تقديم الاعتذار وما تخللها من تصريحات نارية لوزير الخارجية الفرنسي بيرنار كوشنير ضد وزير المجاهدين الجزائري شريف عباس.
الرئيس الفرنسي من خلال زيارته الأخيرة للجزائر والتي دامت ثلاثة أيام سعى إلى تدشين مرحلة جديدة في العلاقات مع الجزائر غير أنه رفض الاعتذار عن انتهاكات الاستعمار الفرنسي، اي أنه أقصى التاريخ وركز على البراغماتية الاقتصادية والسياسية.
ففي الوقت الذي يزال فيه الماضي يؤثر بشدة على العلاقات السياسية بين الجزائر وفرنسا ركز ساركوزي على تعزيز العلاقات التجارية مع الجزائر وإبقاء العلاقات السياسية أسيرة الماضي. بالمقاييس الاقتصادية والتجارية تعتبر زيارة ساركوزي للجزائر ناجحة.
حيث تم إبرام عدة اتفاقات في مجال الطاقة والنقل والإنشاء تتجاوز قيمتها خمسة مليارات يورو تشارك فيها شركات فرنسية عملاقة كشركة توتال وألستوم وجاز دو فرانس، كما وقعت فرنسا اتفاقاً لمنح الجزائر تكنولوجيا نووية مدنية وهو الأول من نوعه بين فرنسا ودولة عربية. أما بالمقاييس التاريخية فإن ساركوزي لم يجرؤ على فعل ما كان ينتظره الشارع الجزائري وهو الاعتذار.
حسب الملاحظين والمحللين تحتاج فرنسا إلى الجزائر، أي إلى دولة محورية في المنظومة العربية والمنظومة الإفريقية وإلى دولة يتكامل اقتصادها مع الاقتصاد الفرنسي. فالحاجة إذن لها أبعاد اقتصادية وجيوسياسية وأمنية فموضوع الهجرة غير الشرعية وقضية الإرهاب موضوعان يؤرقان فرنسا وهي بحاجة ماسة لمساعدة الجزائر في تجاوز التحديات التي تواجهها في هذا الشأن.
لكن رغم هذه الحاجة إلا أن فرنسا ما زالت ترفض الاعتذار الرسمي للشعب الجزائري بخصوص الجرائم المروعة التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي الاستيطاني الغاشم خلال 130 سنة.
والغريب في الأمر أن فرنسا صادقت على قانون (فابيان جيسو) الذي يعاقب كل من يشكك في الهولكوست، وللتذكير فلقد راح ضحية هذا القانون المفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي.
كما طالبت فرنسا من الأتراك الاعتراف بجرائمهم ضد الأرمن وتستعمل هذه الورقة ضد تركيا لترفض دخولها للاتحاد الأوروبي. وبالمقابل نلاحظ أن فرنسا وحتى الساعة ترفض الاعتذار عن جرائمها للشعب الجزائري.
فقصر الإليزيه حتى الساعة ما زال يحاول المراوغة والالتفاف على مطلب الاعتذار الرسمي والتحايل عليه من خلال استعمال كلمات وعبارات تحمل دلالات عديدة ماعدا الاعتذار.
اقترحت فرنسا قبل سنتين معاهدة الصداقة وفي نفس الوقت حاولت أن تمرر قانوناً يمجد الاستعمار. والنتيجة وبعد جدال كبير ألغي القانون وتوقف الكلام عن معاهدة الصداقة وأصبح الكلام الآن يدور حول مشروع صداقة مبسطة وعادية. تريد فرنسا من خلال تصريحات ساركوزي المختلفة وبيانات الإليزيه أن تأخذ من الجزائر وتحقق أهدافها ومصالحها الجيوسياسية والاقتصادية بدون أن تعطي للشعب الجزائري حقه المعنوي في الحصول على اعتذار رسمي من السلطات الفرنسية.
هل تستطيع الجزائر بالفائض المالي التي تتمتع به وبعلاقاتها المتميزة مع أميركا أن تمارس الضغط على الإليزيه للاعتذار؟ أم أن ميزان القوى يبقى في صالح فرنسا التي تفرض رؤيتها وسياستها على الطرف الجزائري وتتهرب دائماً من موضوع الاعتذار؟
فرنسا بحاجة إلى الجزائر أكثر من كون الجزائر بحاجة إلى فرنسا. ففرنسا تبحث عن شريك سياسي واقتصادي وثقافي يراه ساركوزي محورياً واستراتيجياً وهو يدرك تمام الإدراك أن الجزائر هي البلد الذي يتوفر على كل الإمكانيات والوسائل للعب هذا الدور.
ساركوزي أعلن بكل صراحة أنه جاء للجزائر من أجل الشراكة ومن أجل المستقبل وليس من أجل التاريخ ومن أجل الماضي.
لكن ما يتجاهله ساركوزي هو أن الشراكة بدون ماضٍ ستبقى حبيسة معطيات وعوامل تعرقل نجاحها واستمرارها، كما أن المستقبل بدون ماضٍ يعتبر جسداً بلا روح. فتصريحات ساركوزي حول الماضي الاستعماري الفرنسي هي هروب إلى الأمام لأن الماضي والتاريخ هما اللذان يسّيران العلاقات بين فرنسا والجزائر منذ ما يقارب النصف قرن من الزمن.
المتابع والملاحظ للعلاقات الفرنسية الجزائرية منذ 45 سنة يدرك أن العلاقة بين البلدين ميّزها المد والجز والتوتر تارة، والاستقرار تارة أخرى ولم تقارب أبداً صفة العلاقات الطبيعية.
فمن ديغول إلى ساركوزي لم يفلح الساسة في إصلاح الملف السياسي المرتبط أساساً بالتاريخ والذاكرة.
ساركوزي بالمقارنة مع سابقيه، خطا خطوة كبيرة إلى الأمام حيث انه اعترف على الأقل بأن الاستعمار الفرنسي في الجزائر كان استعماراً جائراً.
وهذه هي المرة الأولى التي يعترف فيها رئيس فرنسي بجور الاستعمار. وهنا يكون ساركوزي قد تجاوز سابقيه من ديغول إلى شيراك في محاولة إنهاء الحرب الصامتة بين فرنسا والجزائر والتي تدوم منذ 45 سنة. هل ستكون الخطوة القادمة لساركوزي هي الاعتذار؟ أم أن جماعات الضغط واللوبي الصهيوني وقوى أخرى لها كلام آخر في الموضوع؟
كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة