بعد أيام معدودات من اختتام مؤتمر أنابوليس للسلام أصدرت الحكومة الإسرائيلية إعلان مناقصة لاستدراج عروض لبناء أكثر من 300 منزل في إحدى المستوطنات اليهودية القائمة على الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية.

ماذا يعني ذلك؟

إنه استخفاف يعكس حالة اطمئنان إسرائيلية مزدوجة: اطمئنان إلى هدوء السلطة الفلسطينية وقيادتها من ناحية واطمئنان إلى الرضا الأميركي من ناحية أخرى، وبالإضافة إلى أن الإجراء الإسرائيلي يأتي بعد بضعة أيام من أنابوليس فإنه يأتي أيضا قبل بضعة أيام من موعد افتتاح التفاوض الفلسطيني ـ الإسرائيلي الذي اتفق عليه بين الجانبين في المؤتمر الدولي بمشاركة الولايات المتحدة كوسيط مما يعكس طبيعة النوايا التي تعتزم إسرائيل الدخول بها إلى الجولة التفاوضية.

وإذا كان من المفترض ان محور العملية التفاوضية هو أن يتناقش الجانبان حول المسائل العظمى التي يطلق عليها «قضايا الوضع النهائي» بما يمهد لاتفاق تاريخي لإنشاء دولة فلسطينية فإن من المؤكد بكل الشواهد الماضية والشواهد الماثلة ان الجانب الفلسطيني لن يحظى عند نهاية المطاف التفاوضي إلا على كيان «دولة» بالشروط والمواصفات الإسرائيلية.

في سياق رد الفعل الفلسطيني على إعلان المشروع الاستيطاني الإسرائيلي الجديد قال أحمد قريع رئيس الوفد التفاوضي الفلسطيني إنهم يرفضون «رفضاً تاماً» خطة التوسع الاستيطاني وإن هذه الخطة «تضر بالسلام».

وقال نبيل أبو ردينة الناطق الرسمي باسم الرئيس محمود أبو مازن «إن الامتحان الحقيقي للنوايا الإسرائيلية يتمثل بوقف فوري لجميع أعمال الاستيطان بكل أشكاله». وقال أيضاً إن المدخل الطبيعي لمفاوضات جدية هو «إغلاق ملف الاستيطان أولاً».

كلمات قوية دون شك.. لكنها لن تعني شيئاً إذا لم تترجم إلى موقف فلسطيني عملي.

باستدعاء سوابق الماضي نعلم أن قيادة السلطة الفلسطينية تستنجد في هذه الحالة بالإدارة الأميركية، وكما هو متوقع فإنه عندما شكت السلطة الفلسطينية إلى واشنطن هذه المرة فإن الإدارة الأميركية اكتفت بإصدار عبارات لفظية لا لون لها ولا طعم.

فقد طلبت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس من الحكومة الإسرائيلية «توضيحاً» لقرار إطلاق المناقصة واتبعت ذلك بالقول إن مثل هذه الخطوة «لا تساعد على بناء الثقة» بين إسرائيل والفلسطينيين.

قيادة السلطة الفلسطينية لا تستطيع مواجهة إسرائيل، والإدارة الأميركية بلا رغبة في ممارسة ضغط على الدولة اليهودية.

ولو توفرت لدى السلطة الفلسطينية القدرة فإن الحد الأدنى لأي إجراء ينبغي اتخاذه للرد على الخطوة الاستيطانية الإسرائيلية هو الامتناع عن المشاركة في الجولة التفاوضية المقررة إلى أن تسحب الحكومة الإسرائيلية مشروع البناء الاستيطاني الجديد. وإلا فما معنى ومغزى قول الناطق باسم الرئيس الفلسطيني إن إغلاق الملف الاستيطاني هو المدخل الطبيعي للمفاوضات.

ويبدو عدم الاهتمام الإسرائيلي المدعوم أميركياً بقيادة السلطة الفلسطينية بلا حدود، ففي عشية بدء الجولة التفاوضية بدأت سلسلة جديدة من الهجمات والمداهمات والتوغلات الإسرائيلية التي شملت مدناً وقرى في الضفة الغربية أيضاً تحت بصر قيادات السلطة الفلسطينية.

والمعنى واضح: فقد اعتبرت إسرائيل نفسها الرابح الأول في مؤتمر أنابوليس.. وبالتالي فإنها حصلت من المؤتمر على ضوء أخضر.