الرئيس جورج بوش مصرّ على تلميع صورة واشنطن في العالم. وبالتحديد في العالم العربي والإسلامي. هذا حقه. ولا غبار على ذلك. ومن المرغوب أن تكون هذه الصورة لامعة ومقبولة.

المشكلة أن الرئيس يسلك كل الطرق إلا الطريق المؤدي إلى هذه الغاية، مثل إنشاء وسائل إعلام خاصة لهذه المهمة، مسموعة ومرئية ومقروءة. وأنفقت إدارته الملايين عليها ثم أفرد لها جهازاً خاصاً في إدارته. ووضع على رأسه اقرب المقربين وأكثر الموثوقين، لكن كل ذلك لم يفلح في بلوغ المطلوب.

في الواقع ازداد التآكل في الصورة. ومع ذلك هو متشبث بالأسلوب ذاته. لا بل إن تعيينه الأخير لمسؤول جديد على رأس هذا الجهاز، من شأنه أن يزيد الطين بلّة. المقاربة للموضوع خاطئة. والقادم الجديد، بحكم الموقع الذي ينتمي إليه، محكوم بالفشل.

قبل أشهر قليلة غادرت كارن هيوز، هذه الوظيفة. تركت ليس فقط لأنها فشلت. بل أيضاً لأنها وصلت إلى قناعة بأن تحسين صورة أميركا، عن طريق دبلوماسية العلاقات والإعلام؛ عملية غير مجدية. بالتجربة تبيّن أن الدواء المستخدم لا ينفع البتة في معالجة الداء، المشكو منه. العلّة في مكان. والتعامل معها يجري من مكان آخر. كذلك كان حال الحملة الإعلامية الأميركية، الموجهة إلى المنطقة.

أمس اختار الرئيس بوش أحد وجوه الإعلام، المحسوبين على خندق «المحافظين الجدد»؛ ليشغل وظيفة هيوز. جيمس غلاسمان يأتي من مؤسسة أبحاث في واشنطن؛ هي بمثابة المصنع الفكري التنظيري للمحافظين، إذ يحتشد فيها عتاة الفكر المتشدد، المروِّج لسياسة العصا والإملاء. بالرغم من كل الأخطاء الكارثية التي أدّى إليها هذا النهج، خاصة في منطقتنا؛ إلا أن أصحابه ما زالوا متمسكين به وبإصرار. شعارهم، كان ولا يزال، يقوم على اللجوء إلى القوة لنشر القيم «الديمقراطية».

واليوم يأتي الرئيس بوش بأحد رموز هذا الخط ليكلفه بتولي مهمة التلميع. فحتى لو كانت هذه المهمة تقنية بحتة، فكيف يمكن لواحد من فريق الصقور، المسؤولة طروحاتهم وتوجهاتهم عن مفاقمة الأزمات في المنطقة وتحويلها إلى مصائب وخرائب؛ أن يساعد على تغيير النظرة إلى واشنطن؟

الرئيس بوش يحاول مسح تركة سبع سنوات، في سنة واحدة، متبقية له في البيت الأبيض. خلال الماضي من ولايته لم تكن حصة الشرق الأوسط، من اهتمام إدارته، سوى التأزيم والتصعيد.

القضية الفلسطينية بقيت في الثلاّجة. الانفلات الإسرائيلي لم يوفر شيئاً: عمل على مفاقمة الاستيطان، وبناء الجدار، وإعادة احتلال الضفة؛ فضلاً عن سياسات التجويع والحصار والاغتيالات.

وفي كل ذلك بقيت واشنطن، إما ساكتة وإما حاضنة للعربدة الإسرائيلية. وأخيراً صحت على أنابوليس. وحتى هذا الأخير وبرغم كل الوعود والتلميحات والكلام الطيب، في حدود الحدث الاحتفالي. انطلاقة المفاوضات، التي وعد بها، كان اختبار جلستها الأولى، أمس الأول؛ ليس فقط محبطاً؛ بل أيضاً مدعاة للتذكير بالجولات الخوالي، من المفاوضات التي سبق وأطلقتها مؤتمرات ولقاءات مشابهة.

إدارة الرئيس بوش لم تحرك ساكناً؛ بالرغم من الشكوى الفلسطينية. اللهم سوى الكلام من طرف اللسان. هذا عدا عن ما آل إليه الوضع في مساحات أخرى؛ يتقدم العراق قائمتها.

في السنة الأخيرة، يصبح الوقت ضاغطاً أكثر والخيارات أضيق. مع ذلك يمكن للإدارة أن تؤسس لما قد يصحح الأمور، على الأرض. ومن هنا المدخل لتصحيح الصورة وتلميعها؛ وليس عن طريق تصوير أن المسألة تقنية. وبالتأكيد ليس عن طريق تسليم هذه المهمة لأحد صقور السياسة المسؤولية عن تبشيع الصورة.