حينما تبلورت فكرة حقوق الإنسان بشكل كامل وواضح ضمن ما عرف بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان العالم ـ خاصة في أوروبا والولايات المتحدة ـ يلملم جراحه ومآسيه ويحصي عدد قتلاه الذين تجاوزوا الـ 40 مليون إنسان وعددا لا حصر له من الجرحى والمعاقين والأسرى والمنتهكة حقوقهم على أكثر من صعيد.
وعلى أيدي مجرمي الحرب وصناع الموت، يومها أخذ العالم نفساً طويلاً، وقرر أن يمنح هؤلاء حقهم في الأمان والإنسانية ويحميهم من الانتهاكات حتى لا تعود جرائم وبشاعات الحرب العالمية الثانية مجدداً.
عاد العالم إلى رشده، ونظر في إرثه الإنساني وتراثه الفكري والديني، فوجد للإنسانية وحقوقها تراكما ضخما من التوجيهات والتوجهات والأفعال، فأخذ بها دون تمييز وتفرقة ما بين دين ودين وما بين فكر وآخر، فكل ما قاد لتثبيت فكرة حقوق الإنسان يومها كان مطلوباً وبشدة، كان كل فكرة وكل قول وكل آية وكل تصرف أو توجيه حجراً فائق الأهمية في بناء الفلسفة التي ارتكز عليها الميثاق العالمي الذي جاء عام 1948 ليتوج مسيرة الإنسانية، بجميع دياناتها!
اليوم، حين يثور الجدل وتشتد الخلافات ويلجأ الناس للتشكيك في عمل جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان، فإن الخلط لا يجوز أن يطال الفكرة، لكن يجب أن ينال من التطبيق، فحين يكون التطبيق خاطئا يمكننا أن نشير إلى الأشخاص وإلى منهجية العمل والذهنيات القائمة بهذا العمل غير متناسين مسألة المصالح والأجندات والنوايا، لكن علينا أن ننتبه إلى أن مثالية الفكرة يجب ان تبقى على حالها بريئة من كل أخطاء التطبيق وتجاوزاته!
وعندنا في الإمارات، كما في أي مكان في العالم، يوجد من يستغل العمل التطوعي، ويوجد من يندس ما بين الصفوف ليرمي بسهامه إلى الداخل مستفيداً من نقاط الضعف الموجودة، ونحن نؤمن بأننا نعاني من بعض الخلل في التركيبة السكانية، التي أفرزت الكثير من الدخلاء والمحسوبين على المجتمع، وأصحاب الأجندات الملغومة، وعليه فإن كشفها مهم، وضربها بقوة مهم، وتغليب مصلحة الوطن ضرورة قصوى، لكن بعيداً عن المساس بفكرة العمل العام التطوعي.
لماذا يجب ألا يمس هذا العمل أو يحمل وزر المتجاوزين؟ لأننا بذلنا الكثير من عمرنا وعمر التنمية في الإمارات لنكرس هذا العمل، وهو على ضعف أدائه وضعف بنيته، إلا أنه ينمو وان ببطء، وعلينا من الآن فصاعداً تقويته ليكون موجهاً للداخل ولمصلحة الوطن لا سهماً يصوبه الحاقدون ضد وطننا الغالي!
