تعاني منطقة الشرق الأوسط من حالات اضطراب عديدة بعضها ناتج عن مشكلات داخلية تتعلق بطبيعة النظام السياسي والاقتصادي والتخلف التقني وغياب الحريات المدنية والمجتمع المدني، وبعضها الآخر عن مشكلات خارجية نتيجة التدخل الخارجي المباشر وغير المباشر وسوء العلاقات الثنائية بين الدول المختلفة في المنطقة وعلاقة هذا الأمر بفقدان الثقة بين الشعوب. كل ذلك ساهم بشكل كبير في خلق أجواء غير مستقرة داخل العديد من الدول العربية ودول الجوار بشكل خاص.

لكن الأمر الغريب والمستهجن أن تصبح الدول العربية وخاصة في المشرق تتأثر بدرجة كبيرة بطبيعة العلاقات الخارجية لدول الجوار غير العربية مع الخارج الأجنبي سواء كان التأثير إيجابيا أو سلبيا كما هو الأمر في العلاقات الإيرانية ـ الأميركية أو العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية وانعكاساتها على دول الجوار.

فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الخلافات الغربية ـ الإيرانية على ملفات العراق والبرنامج النووي الإيراني ودعم إيران للعديد من حركات المقاومة في لبنان وفلسطين تنعكس سلباً على العلاقات العربية ـ الإيرانية بحكم الجغرافيا السياسية وتداخل المصالح بين دول وشعوب المنطقة أو لاختلاف المصالح بين الدول العربية والعالم الغربي تجاه هذه الملفات أو لتطابق في بعض المصالح العربية ـ الإيرانية أو التطابق في المصالح العربية ـ الغربية.

والأصل في صياغة العلاقات الخارجية للدول بشكل عام أن تبنى على قاعدة المصالح المشتركة للدول والشعوب لاسيما الدول التي تتشاطر حدوداً ومياها مشتركة. كما أن العلاقات التي تبنى على قاعدة المصالح المشتركة بين دول الجوار بشكل منهجي ومنظم يجب أن لا تتأثر سلباً وبشكل دراماتيكي في حال تدهورت علاقات دولة ما من دول الجوار مع دولة أو دول خارجية.

ولكن ما هو أخطر مما ذكر أعلاه أن تتأثر العلاقات الثنائية سلباً بين دول الجوار في حال تم تحسين وتطبيع للعلاقات الثنائية بين دولة ما من دول الجوار مع الدول الخارجية أو الأجنبية بالرغم من وجود علاقات جيدة بين دولة أو دول الخارج مع باقي دول الجوار الأخرى.

وهنا لا بد من القول بشكل واضح إن العلاقات العربية ـ الخارجية وتحديداً مع الغرب يجب أن لا تنعكس سلباً على علاقات هذه الدول مع دول الجوار سواء كانت إيران أو غيرها. بالمثل يجب أن لا تؤثر العلاقات الإيرانية ـ الخارجية وتحديداً مع الغرب وبشكل خاص مع الولايات المتحدة الأميركية سلباً على العلاقات الإيرانية ـ العربية لأن حدوث عكس ذلك لابد من أن يبقي المنطقة بأسرها في حالة اللااستقرار السياسي والاقتصادي والاستراتيجي.

إذاً المطلوب هو علاقات جيدة ومتينة وإستراتيجية بين الدول العربية من جهة ودول الجوار في المنطقة وتحديداً مع إيران الجار الشرقي لدول الخليج العربية لما لهذه الدول من أهمية حيوية وإستراتيجية للمنطقة وللعالم بأسره من جهة وهذا مهم جداً وبسبب عوامل مختلفة مرتبطة بالتاريخ والدين والجغرافيا وهذا الأهم، لذلك يتعين على الدول العربية ودول الجوار وخاصة إيران أن يعيدوا النظر في علاقاتهم الثنائية لاسيما أن التاريخ والروابط الإسلامية يساعدان على التقريب بين هذه الدول في الوقت الذي لا يجب أن يكون اختلاف المذاهب عامل تفرقة.

الدول العربية وإيران يمكن لهم أن يتفقوا على بناء علاقات قوية تأخذ بعين الاعتبار المصالح الاستراتيجية لجميع الأطراف. فإيران دولة إقليمية كبرى يمكن لها أن تلعب دوراً محورياً في استقرار المنطقة وأمنها وازدهارها اقتصادياً واجتماعياً، ودول الخليج العربية دول غنية بثرواتها النفطية والمالية وهي جزء من العالم العربي الكبير الأمر الذي يؤهلها للعب دور قوي لصالح الأمن والاستقرار والتنمية وهذا ما تحتاجه دول وشعوب الخليج العربي.

إن ما يزعج كل عربي ومسلم يقرأ ما وراء السطور ويتابع ما يجري خلف الكواليس هو أن يكتشف أن مستقبل المنطقة يجري رسمه حالياً من خلال المواجهة الإيرانية ـ الغربية عموماً والأميركية خصوصاً، أو الاتجاه نحو صفقة سياسية إيرانية ـ أميركية شاملة وهو أمر يشير بوضوح إلى الغياب العربي عن عملية صياغة مستقبل المنطقة على نحو يشير إلى أن قواعد اللعبة السياسية والأمنية في المنطقة قد يعاد تشكيلها من جديد.

إن مصلحة إيران والدول العربية بشكل عام والدول الخليجية بشكل خاص تتطلب حوارا استراتيجيا إيرانيا خليجيا عربيا يقود إلى تفاهمات في مختلف القضايا العالقة وخاصة الملف النووي الإيراني وملف أمن منطقة الخليج العربي وصولاً إلى رؤى مشتركة حول مستقبل هذه المنطقة الحيوية للعالمين العربي والدولي والتعايش المشترك على قاعدة المصالح المشتركة لكافة دول المنطقة.

إن دعوة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لحضور اجتماع الدوحة لدول مجلس التعاون قبل أيام قليلة هي خطوة هامة وبداية جيدة للبدء بحوار جدي يمكن له أن يقود إلى تصحيح العلاقات الثنائية بين دول مجلس التعاون وإيران. كما أن الأفكار الإيرانية التي طرحها الرئيس نجاد على قادة القمة الخليجية بالدوحة تعكس رغبة إيرانية جادة نحو تطوير وتحسين العلاقات الإيرانية مع دول الجوار العربية.

ما نأمله في المستقبل القريب هو أن نشهد مرحلة جديدة من العلاقات الإيرانية ـ العربية وخاصة في منطقة الخليج تمهد للعلاقات إيرانية ـ عربية شاملة تقود إلى إنهاء أجواء فقدان الثقة والخوف من الآخر نحو علاقات متميزة على كافة الصعد.

كما نأمل أن تصل هذه العلاقات في وقت قريب إلى مستوى تتوقف عنده الولايات المتحدة باستخدام علاقاتها الثنائية مع إيران أو الدول العربية للضغط على الطرف الآخر من أجل تحقيق مصالحها الذاتية.

من حق كل الدول أن تحقق مصالحها ولكن على أن لا تكون على حساب أمن ورخاء واستقرار وسيادة دول أخرى لأن من شأن ذلك أن يرسخ حالة القلق والتوتر التي من شأنها أن تقود إلى سياسة التحالفات والتحالفات المضادة.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com