احتفلت جامعة الكويت بذكرى مرور إحدى وأربعين سنة على إنشائها، حيث بدأت الدراسة بها في العام الدراسي 1966/1967، بكليات محدودة هي الآداب والعلوم والتجارة والحقوق، لتتوسع لا حقاً فتضم مختلف التخصصات، وأيضاً بعدد لا يتجاوز الستمائة طالب وطالبة، نسبة كبيرة منهم من أبناء المنطقة بالذات من منطقة الخليج العربي، ليرتفع ذاك العدد ويصل إلى العشرين ألفاً معظمهم من الكويتيين.
وشكلت جامعة الكويت منذ إنشائها مجالاً مهماً للنشاط السياسي، بحرمها المفتوح والمصان من أي تدخلات خارجية، وبطلبتها الذين واكبوا تطور الحياة السياسية وتقلباتها في بلدهم وفي جوارهم الجغرافي. وهي بالطبع، كانت وما زالت مكاناً يتخرج منه آلاف الطلبة ليتوزعوا على مجالات العمل المختلفة.
وخلت جامعة الكويت في بدء التعليم فيها من أي أستاذ كويتي - على حد علمي - أما الآن فيربوا عددهم على الثمانمائة حاصلين على شهادة الدكتوراه من مختلف جامعات العالم وبالذات من الجامعات الأميركية. هذا عدا، عن الهيئة التعليمية المساندة.
وكان وما زال عنصر النشاط الطلابي فيها تعبيراً عن التوجهات السياسية والاجتماعية السائدة في المحيط الأكبر، ليتجلى روح التنافس بين تلك القوى ويتبلور في وجه من وجوهه البارزة في الانتخابات الطلابية وتحديداً في انتخابات الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، الذي تجاوز عمره الآن النصف قرن.
وعادة ما تنطق الهيئة الإدارية للاتحاد باسم القوى السياسية المهيمنة في الشارع الكويتي. ففي الخمسينات والستينات، كان التيار القومي هو الذي يتصدر النشاط الطلابي، وفي السبعينات، كان التيار التقدمي ذو التوجه الاشتراكي، ومنذ الثمانينات أصبح التيار الديني بزعامة حزب الإخوان المسلمين هو الذي يدير دفة العمل الطلابي ويسير قيادة الاتحاد.
وكانت الجامعة في أحلك مراحل العمل السياسي في الكويت ملاذاً آمناً للناشطين في هذا المجال، إذ لم تشهد الكويت ولله الحمد تدخلات فظة من قبل السلطة كما تجرى كثيراً في أرجاء عدة من وطننا العربي الكبير، حيث ظل «الحرم الجامعي» يفرض وقاره على المجتمع.
وفي تلك الظروف، وهي سنوات الحل الأولي لمجلس الأمة، في العام 1976 حيث أوقف أيضا العمل ببعض أحكام الدستور، وحلت الكثير من الأندية والجمعيات كنادي الاستقلال، أو بدلت مجالس إدارتها، ظل النشاط الطلابي بمأمن عن ذلك المنع، وواصل اتحاد الطلبة نشاطه، بل وعقد ندوات تاريخية مهمة دُعي إليها قيادات العمل السياسي في الكويت مثل الدكتور أحمد الخطيب وغيره. إن حصانة الجامعة وعصمتها نقطة مهمة تحسب للنظام في الكويت.
بيد أن الجامعة لم تكن دائماً الفضاء الذي انطلق منه الفعل السياسي الجماعي، بالذات في المراحل الصعبة، فقي أعوام الحل غير الدستوري الثاني منذ 1996 إلى 1990 لم تحرك الجامعة ساكناً، ولم يأخذ طلابها المبادرة، ولم يستفيدوا من حصانة حرمهم الجامعي لإطلاق شرارة المطالبة بعودة المجلس والعمل بأحكام الدستور، فقد أخذت «الديوانية» منها هذا الدور فيما عرف بحركة «ديوانيات الاثنين» في العام 1990.
وقد يكون لذلك تفسيرات كثيرة لعل إحداها أن العمل الطلابي كان في تلك الأيام - وما زال بالطبع - تحت قيادة جماعات الإسلام السياسي وتحديداً حزب الإخوان المسلمين، وهذا الحزب كان ولا يزال له حسابات مع النظام لا يريد الإخلال بها.
وكون جامعة الكويت «فضاء» مهماً من فضاءات العمل السياسي لا يعني البتة أن وعي طلبتها يعكس أهميتها السياسية والاجتماعية. فأكثر من نصف طلبتها الكويتيين لا يشتركون في الانتخابات الطلابية، على وجه الخصوص انتخابات الاتحاد، رغم الصخب الذي عادة ما يترافق مع تلك الانتخابات، حيث تعقد المهرجانات الخطابية (التي تصم آذان الطلبة والأساتذة على حد سواء).
وحيث يتم توزيع المنشورات الدعائية، وتقام «الخيام الانتخابية» التي توزع فيها الحلوى والشاي «والقهوة العربية» وغيرها مما لذ وطاب!!
وكأستاذ جامعي أقوم بمهنة التدريس منذ عقدين بالتمام والكمال، فإنني ألاحظ منذ مدة طويلة تدني اهتمام الطلبة بالذات الكويتيين منهم «بالشأن العام» وذلك من خلال أسئلتي التي أطرحها على طلبتي ذكوراً وإناثاً، فنادراً ما يجيب أحدهم أنه يقرأ الصحف بانتظام، أما أن يقرأ كتاباً خارج المنهج فهذه نادرة من النوادر.
لقد أصبحنا نفتقد «الطالب المثقف»، بل لقد بتنا نفتقد «الأستاذ الجامعي المثقف»، وهذه طامة كبرى في حياتنا الثقافية. إذ بات التقوقع في التخصص هو سمة أساتذتنا، وباتت البحوث من أجل الترقية شغلهم الشاغل!!
وإذا كان ما قلناه من تقويم انطباعياً ومن وحي الإحساس الذاتي، فإن دراسة ميدانية نشرتها الزميلة «القبس» (9/ 12) أكدت ما ذهبنا إليه بالقياس العلمي الدقيق. فقد قامت بدراسة على عينة قوامها 500 طالب وطالبة، كشفت إجاباتهم على الاستبيان الموزع عليهم قلة اكتراث بما هو متداول في المجتمع من شؤونه العامة، والبعض منها طريف ويستحق التوقف عنده.
فأكثر قليلاً من 41% من هؤلاء الطلبة لا يعرفون من هو رئيس مجلس الوزراء الحالي، وعدد غير قليل منهم تبلغ نسبتهم 36% يجهلون عدد أعضاء مجلس الأمة، أما عدد أعضاء الحكومة (مجلس الوزراء) - الذي يبدو إنه سؤال أصعب من سابقه - فلم يعرفه سوى 14% من المستبينين!!
وأصر البعض - وهو طريف وذو دلالة - أن الدكتورة معصومة المبارك مازالت على كرسي الوزارة، بل إن البعض منهم (34% تقريباً ) لم يعرفوا عدد الوزيرات في الحكومة الحالية!! وبسؤالهم حول إطلاعهم على دستور الكويت، أجاب أكثر من 46% إنهم لم يطلعوا عليه نهائياً، في حين أن 43% تقريباً اطلعوا عليه بشكل سريع.
وأظهر الاستبيان أن نصف الطلبة تقريباً يقرءون الصحف يوميا (وهذا أمر أشك فيه من واقع الخبرة والتجربة)، أما أبرز القضايا التي يتابعونها فأربعون بالمئة منها قضايا فنية، وست وعشرون رياضية، وحازت القضايا السياسية والاقتصادية على ثمان وثلاثين بالمئة.
وتبين لنا هذه النتائج بالملموس أن بعضاً من طلبتنا كأنهم يعيشون غرباء بيننا، فحتى أكثر الأخبار شيوعاً في المجتمع ليسوا على دراية بها، وإذا كان هذا هو حال الكثير من طلبتنا - وهم الفئة المتعلمة - فكيف سيكون حال رجل الشارع العادي؟؟ ولا شك أن هذا المستوى من عدم الاكتراث لا بد أن تدرس أسبابه خاصة ونحن في عصر تيسرت فيه وسائل المعرفة وسبل الحصول عليها.
كاتب كويتي