الشعب الفنزويلي الذي انتخب رئيسه هوغو شافيز بإرادة حرة في انتخابات ديمقراطية بغالبية ضخمة، والذي أعاده إلى الحكم بعد التصدي شعبياً للانقلاب العسكري المدعوم أميركيا على حكمه الديمقراطي في سابقة شعبية مثيرة، قال للرئيس الذي يحبه ويحترمه «لا» أيضا بطريقة مثيرة في الاستفتاء الأخير!

حيث رفض بعض المؤيدين وكل المعارضين بفارق بسيط التعديلات الدستورية المقترحة من الرئيس الاشتراكي هوغو شافيز لزيادة صلاحيات السلطة للتحول بفنزويلا بخطوات أوسع نحو الاشتراكية، وبينما بدا ذلك لجانب من المراقبين كسباً للديمقراطية على حساب الاشتراكية، رأى فيها جانب من المراقبين كسباً للديمقراطية الفنزويلية لحساب الاشتراكية الفنزويلية.

فلقد رفض بعض المؤيدين التصويت بنعم على ما بدا لهم أنه قد يشكل إضافة سلطوية إلى نظام الاشتراكية الفنزويلية بما يزيد من سلطات الرئيس على حساب سلطة الشعب ويخل بالمعادلة الديمقراطية القائمة هناك على قوة مشاركة الشعب مع الرئيس وتوازن توزيع السلطة.

في حين رفض كل المعارضين ما بدا لهم إضافة اشتراكية إلى الديمقراطية الفنزويلية بما يزيد من اتجاه الدولة نحو الاشتراكية على حساب مصالحهم الخاصة وبما يمكن أن يخل بالحرية الاقتصادية القائمة الآن حيث القطاع الخاص قوي إلى جانب القطاع التعاوني والعام.

وربما بالرؤيتين معا بدت تلك تعديلات للدستور كأنها إضافة لحساب الاشتراكية خصما من حساب الديمقراطية خصوصا فيما يتصل بتوسيع ولاية الحكم المركزية على المحافظات، وزيادة صلاحيات رئيس الجمهورية، وعدم تحديد فترة الرئاسة بفترتين فقط.

وفيما بدا للمعارضين لشافيز في الخارج والداخل أنها تشكل خسارة اشتراكية، رأى مؤيدوه في الداخل والخارج أيضا أنها مكسب ديمقراطي لتجربة اشتراكية.

ففي حين أن حزب الرئيس الذي يحتفظ بغالبية برلمانية كاسحة خسر نتيجة الاستفتاء، لكن الرئيس وحزبه كسبا ما هو أكبر بنزاهة إجرائه وباحترامه لنتائجه وهو احترام الشعب، كما كسب الشعب الفنزويلي بمؤيديه ومعارضيه احترام العالم مرتين، مرة بخروجه إلى الشارع لإسقاط الانقلاب العسكري ضد شافيز احتراما لإرادته الديمقراطية التي انتخبت شافيز، ومرة بمعارضة اقتراحات الرئيس احتراما لحقوقه الديمقراطية مع تأييد الغالبية للاشتراكية.

إن الأهم من نتيجة الاستفتاء هو نتائج ما بعد الاستفتاء، فلم يكتف شافيز فقط بإعلان احترامه لرأي الناس ولو بفارق ضئيل بل بسماحه أيضا للمعارضين بإقامة مهرجانات المعارضين المصروف عليها في ميادين كاراكاس احتفالا بعدم إقرار التعديلات، وإعلانه أنه سيترك الحكم مع انتهاء ولايته الدستورية الحالية مع استمراره لآخر ساعة في رعاية مصالح كل الشعب.

ولأن نتائج الاستفتاء لم تكن رفضا من الشعب للسياسة الاشتراكية بقدر ما كانت تحذيرا من السياسة اللا ديمقراطية خسر الرئيس الرهان على زيادة مساحة الاشتراكية على حساب الديمقراطية نحو فنزويلا اشتراكية ديمقراطية، بينما كسب الشعب والرئيس الرهان بزيادة مساحة الديمقراطية لحساب التجربة الاشتراكية باتجاه فنزويلا ديمقراطية اشتراكية.

وبهذا كان إجراء الاستفتاء ونتائج الاستفتاء معا إضافة جديدة للتجربة الديمقراطية الاشتراكية الفنزويلية، بتأكيد النهج الديمقراطي للرئيس شافيز بالتوازي مع النهج الاشتراكي الذي يسير عليه وانتخب على أساسه وسار في اتجاهه خطوات كبيرة خلال توليه الحكم لولايتين سابقتين بانتخابات ديمقراطية.

الديمقراطية تعني العدالة السياسية في توزيع السلطات والحريات وفى الحقوق والواجبات، والتوازن بين السلطات الشعبية والتنفيذية في تحديد الخيارات، وفي احترام حقوق الشعب في المشاركة مع السلطات في صنع القرارات، وأن الاشتراكية تعني العدالة الاقتصادية والاجتماعية بمشاركة الشعب من جميع الفئات والطبقات في اقتسام عائدات الثروات.

وهذا يدعو تجاربنا العربية في اتجاه الديمقراطية إلى عدم السقوط في وهم صناعة الديمقراطية السياسية على حساب الديمقراطية الاقتصادية، فذلك شرط لتحقيق العدالة الاجتماعية، فلا ديمقراطية سياسية بلا ديمقراطية اجتماعية، حيث لا ضمان لحرية بطاقة الانتخاب بغير ضمان إمكانية حرية رغيف الخبز.

mamdoh77t@hotmail.com