من جديد يعود شبح الاغتيالات ليخيّم على لبنان. مسلسل التفخيخ والتفجير استأنف دورته. هذه المرة استهدف العميد فرانسوا الحاج قائد العمليات في الجيش اللبناني؛ وبجريرته سقط عدد من المواطنين. المكان الذي وقعت فيه العملية، على مقربة من وزارة الدفاع ومقرّ القيادة؛ يحمل اختياره أكثر من رسالة.

التوقيت يحمل، هو الآخر، رسائل كثيرة. لكن أشد خطورة. المؤكد أن الاستهدافات متعددة. والوضع الهش والسريع العطب يساعد على تحقيق التفجير لأغراضه. أو على الأقل هو يساعد في زيادة إرباك وتأزيم الوضع؛ المأزوم والمحتقن أصلاً. وكأن هموم الأزمة السياسية ـ الرئاسية المتسربل بها لبنان، لا تكفيه.

ومن نافل القول إن الإنشغال بالبحث عن الجهة الفاعلة، محاولة عبثية. سبق وجرّبها اللبنانيون؛ لكن بغير جدوى، فإذا كان هناك من فاعل، غير مباشر؛ فهو يتمثل بإطالة عمر هذه الأزمة وتركها تجرجر وتغرق بالتعقيدات. الفراغ الذي ساد، بعد انتهاء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد؛ كان جسر العبور لعودة العنف الدموي إلى الساحة اللبنانية.

ولطالما تكررت التحذيرات من مغبّة التمادي في تعقيد الحلول وزرع العقبات في طريق الصيغ والمخارج التي طرحت لتمرير الاستحقاق الرئاسي. من البداية توالت الدعوات وبإلحاح، إلى كافة الأطراف اللبنانية للإسراع وعدم التباطؤ في التوصل إلى توافق يزيح هذا الملف من الطريق ويطوي صفحته. تركه مفتوحاً يؤدي إلى فتح أبواب الوضع اللبناني على المجهول الأسود.

الوساطات العربية والدولية؛ فضلاً عن المناشدات والمساعي التي بذلت؛ من الداخل والخارج؛ من الأشقاء العرب والأصدقاء؛ لم تفلح في تحقيق التوافق على حل. في كل مرة كان يجري فيها سد فجوة كانت تنفتح بالمقابل فجوات. دوامة استبدت بعملية اختيار رئيس جديد وفرضت تأجيل جلسات الانتخابات ثماني مرات كان آخرها يوم الثلاثاء الماضي.

والمؤسف أن الجميع كان على شبه يقين بأن المزيد من التأخير لا يعني سوى المزيد من شحن الوضع بعوامل التفجير. الفترة الماضية، قبل الاستحقاق الرئاسي، تؤكد بأحداثها، هذه الخلاصة، وقد كان من غير المشكوك فيه بأن تمديد هذا الاستحقاق، محكوم بجعل الأرضية أكثر خصوبة، لتوليد مناخات التصعيد وبالتالي زيادة الانسداد أمام الحلول. ومع ذلك واصلت اللعبة مجراها.

ومع التمديد للفراغ ارتفاع منسوب الاحتقان وعادت لغة التراشق، إلى الخطاب المتبادل. ووسط هذه الأجواء وشبه عودة الأزمة إلى المربع الأول؛ وقعت جريمة الاغتيال التي فتحت الجروح من جديد والوضع على كافة الاحتمالات.

الأزمة اللبنانية، المستبدة بها دوامة شرسة؛ باتت بحاجة إلى مبادرات وحلول من خارج المألوف. الانقسامات والتداخلات تهدد بتوطين الفراغ؛ وبالتالي سقوط البلد في ما يشبه حال الغيبوبة.

وإذا كان من غير المجادل فيه أن عملية الإنقاذ تحتاج إلى رافعات من خارج الساحة اللبنانية وبالتحديد عربية ومن العيار الثقيل، هذه المرة؛ فإن المطلوب أيضاً للنهوض بهذه المهمة أن يحزم اللبنانيون أمرهم ويتجاوزوا حساباتهم لانتخاب رئيس والخروج من الأزمة. وإلا فإن الآتي لن يحمل غير المزيد من السواد.