حصاد خصب بدأنا نراكم ثماره الحلوة والمرة ونتأمل بعيون الخبرة والدهشة انقضاء مواسمه المتلاحقة ونحن نودع هذا العام بمثل ما استقبلناه به من أمل وألم. ونسأل النفس ماذا غير هذا العام فينا ومن حولنا من شؤون العلاقات الدولية التي نشتغل عليها؟
وبخاصة في عالمنا العربي الذي يهمنا أمره ويرتبط به مصير عيالنا مهما ابتعدنا عنه مؤقتا ويرتبط به أيضا مصير العالم بسبب ما اندلعت فيه هذا العام من حرائق السياسة وما تفجرت خلاله من زلازل الأزمات والمحن. بدأ العام مع انقسام الأشقاء الفلسطينيين واندراج بعضهم في مخططات كيدية تستهدف لا هذا أو ذاك من الفرقاء.
كما يبدو في الظاهر بل تستهدف فلسطين كلها حتى تتحول القضية إلى ما يشبه البكاء على الأندلس كما يريد غلاة الصهيونية أن تكون. وانزلق بعض الفرقاء حلفاء الأمس إلى اقتتال أهلي جعل المتآمرين يهللون ويشهدون الدنيا عليهم ويوصدون أبواب العون الدولي والتفهم العالمي ويؤلبون الغرب على قضيتهم في غياب الحكمة وانسحاب العقل!
وانفرجت الأزمة في مكة المكرمة بمبادرة خادم الحرمين الشريفين ثم انتكس المسار وانتبذ كل فريق مكانا قصيا منتصراً لرؤيته الضيقة دون أن تتقدم ملفات التحرير والسلام خطوة إلى الأمام.
كان هذا الانحراف هو الذي زرع الشك والشوك في طريق (أنابوليس) في انتظار قبس من نور يهل علينا ربما العام المقبل في هذا الليل الحالك.
بدأ العام في لبنان بأزمة الدستور وفراغ الحكم بعد محنة حرب إسرائيلية جائرة وخاسرة دمرت البنية التحتية لهذا البلد الصامد في أغسطس 2006 وكنا نعتقد بأن فداحة الحرب لا بد في النهاية أن تجمع الهمم وتضم الإرادات في لبنان حتى يتحقق شعار يرفعه جميع اللبنانيين وهو: لا حرب أهلية بعد اليوم ولبنان واحد حر مستقل وسيد! وظللنا نتوقع التفاف اللبنانيين الكرماء حول رايتهم بأرزها الشامخ ولكن ( الطائف 2) تأخر جدا ولم يشهد الهزيع الأخير من عام 2007 نهاية المحنة الداخلية. ولا يسعنا هنا أيضا سوى انتظار قبس من نور!
بدأ العام 2007 في العراق كما بدأت أعوام 2003 و2004 و2005 و2006 دون تحوير مشهد الفاجعة المهولة التي تعود عليها الناس على شاشات فضائياتهم والتي سرت بها الركبان كما يقول قدماء العرب. ولم تلح في أفق بلاد الرافدين بارقة رجاء يعود بها هذا الشعب الأبي إلى سالف عهد الأمان والعزة والإشعاع.
وكأني بالعرب نسوا العراق في محنته كأنهم ألفوا المأساة وعاشروا الفاجعة فاستكانوا إلى نوع من الهجعة الطويلة تركت الحبل على غارب المغامرين والدخلاء يتداولون على تدمير العراق ولا يبدو في المستقبل المنظور أي نور يعلن نهاية النفق المظلم الموحش. بدأ العام 2007 كما انتهى بالنسبة لإقليم المغرب العربي حيث لم ينجح قادته ولا منظمة الأمم المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي في تحريك قضية الصحراء نحو حل يرضي كل الأطراف.
بدأ العام 2007 في دول مجلس التعاون الخليجي وانتهى هذا الأسبوع بمكسب جديد يضاف إلى مكاسب هذا الأنموذج العربي الوحيد الناجح وتحقق في قمة الدوحة بتأسيس السوق الخليجية المشتركة التي ستقرب هذه الدول الفتية أكثر من الوحدة الشاملة بين أبناء العمومة.
ونطالع في أدبيات دول الخليج ووسائل إعلامه وبحوث جامعاته ما يثلج الصدر من وعي حقيقي وعميق بالمشاكل التي لا بد من معالجتها بحكمة وعدل وأبرزها قضية العمالة الآسيوية ومضاعفاتها في عالم تحتل فيه الهوية مكانة الصدارة، وأهمها أيضا ملف التعاطي الخليجي المنسق الموحد مع القضايا الإقليمية والقومية التي تفرض نفسها كالملف الإيراني ومستقبل العراق وقضية الأمن الخليجي النفطي والسياسي والاستراتيجي.
أمل كل العرب من محيطهم إلى خليجهم أن يستمر المجلس في جهوده الخيرة ومن منطلق رسالته الخالدة لتوفير مناخ الوفاق لحل معضلات العرب حتى البعيدة عنه جغرافيا كما فعل من قبل مع العراق ولبنان وفلسطين.
فيا ليت نرى عام 2008 يتميز بدور خليجي ديناميكي لجمع الفرقاء والمختلفين العرب في مكة المكرمة أو مسقط أو الدوحة أو المنامة أو أبوظبي أو الكويت للخروج من انسداد عام 2007 إلى انفراج عام 2008 ! انه رجاء عربي ودعاء عربي نلجأ بهما لله عز وجل ثم للمؤمنين الصادقين به تعالى من أصحاب الأمر وأصحاب الفكر.
رئيس الأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس