نحن اليوم أمام أسئلة جديدة كثيرة لا مفر من مواجهتها!

الثورة التقنية الحالية ، خاصة في حقل المعلومات، تفرض أسئلة مهمة على المعنيين بقضايا التنمية الإنسانية والنهضة عموماً. معايير الكفاءة المهنية والمعرفة تتغير بظهور تقنيات جديدة في حقول الاتصال والتعليم والاقتصاد.

هذه المتغيرات المتلاحقة بشكل مذهل لا بد أن تفرض أسئلة من مثل: من هو المثقف اليوم؟ ومن هو القادر على التصدي لقضايا التنمية والتخطيط للمستقبل برؤية أبعد مما يمكن رؤيته؟ وكيف ستكون معايير الكفاءة والتأهيل بعد عقدين أو ثلاثة من الآن؟ وهل الخوف من مواجهة أسئلة المستقبل هو من الأسباب القوية لتشبث كثير من العرب والمسلمين بالماضي والتغني بأمجاد السلف على حساب تحديات الراهن والمستقبل؟

ليس من قبيل «جلد اللذات» أو «ترويج الإحباط» أن نذكر بحقائق اليوم على أصعدة واقع التعليم والتنمية في العالم العربي. وليس من قبيل تشويه الذات أن نعترف بأن العالم العربي، على كافة الصعد والتعليم خاصة، يبقى في ذيل القائمة.

والأكثر مرارة أن محاولات التغيير في شؤون الإصلاحات السياسية والاقتصادية (ناهيك عن بطء التعامل مع قضايا الشفافية وإيجاد مؤسسات حقيقية للمجتمع المدني) تكاد نادرة وإن وجدت فهي ـ في أكثرها ـ لمجرد «ذر الرماد» في عيون المؤسسات الدولية والمناشدين لإصلاحات حقيقية في المنطقة.

لكن المشكلة التنموية في عالمنا العربي اليوم أكثر تعقيداً من مشكلة «بطء القرار السياسي» لتنفيذ برامج إصلاحية إن وجدت. التحدي الكبير هنا هو في إعادة صياغة العقل للتعامل مع أسئلة النهضة وتحديات الغد القريب برؤية مختلفة، بنظرة تفهم سعة الفجوة بين إمكانات الراهن (خاصة على صعيد التفكير) وما تتطلبه التنمية الإنسانية المقبلة من وعي وانفتاح وجدية وسرعة في التفكير والعمل.

أضف إلى هذا المشهد الحزين في الغياب الكبير لـ «البنية التحتية» للثقافة في ظل هيمنة «الخوف» على العقل وعلى الحركة.

كيف يمكن تحرير العقل العربي من هيمنة الخوف المطبق عليه تجاه كل جديد ومن كل بادرة مختلفة؟ لقد تآمرت ظروف كثيرة (دينية وسياسية واجتماعية) على العقل العربي حتى صار أسيراً لخوفه من أي جديد ومن أي تغيير وأحياناً من معطيات الحضارة الإنسانية في مجالات العلوم والفنون وغيرها.

ومع قرون طويلة من حياة الخوف شاعت مقولات في خطابنا العام تحذر من التغيير وتتشبث بالواقع مهما كان متخلفاً عما حققه الآخرون. خذ مثلاً تلك الدعوة التي يمسي ويصبح على وقعها الإنسان العربي في أكثر من مكان: «الله لا يغير علينا».

لماذا الخوف من التغيير والحرص على بقاء الأمور على حالها؟ خذ أيضاً مقولة « والعياذ بالله من أنا» حينما يتحدث «الفرد» عن نفسه وكأنه عيباً أن يكون «الفرد» مستقلاً ومختلفاً وخارج عن الصورة النمطية للتفكير الجمعي. كيف يمكن أن يبدع الفرد وهو مقموع تحت مظلة «الجماعة» وخارج عن صف الجماعة إن فكر خارج النص أو كتب خارج النص أو تكلم خارج النص؟

كيف إذن يمكن للإنسان العربي أن يواجه تحديات المستقبل وعقله يعيش تحت حصار الخوف من العيب ومن الفتوى ومن القمع السياسي والقمع الاجتماعي؟ من هنا لا بد من تحرير العقل العربي أولاً من عقد الخوف ـ والرقابة بكل أشكالها ـ كي يستطيع أن يدافع عن وجوده (قبل أن يبدأ في المنافسة) في ظل الهجمة المقبلة لقائمة طويلة من التحديات ستهطل عليه من كل اتجاه.

وتلك مهمة أعرف عز المعرفة أنها كبيرة وطويلة وصعبة فما تأسس فكرياً على مدى قرون لا يمكن تجاوزه ـ أو إصلاحه ـ في سنوات قليلة. لكن البدء في «مشروع» فكري جاد يحرر الإنسان العربي من عقدة الخوف التي تشكل جيناته اليوم ضروري أن يكون مشروع حياة أو موت ومهمة لا خيار للتنويرين العرب إلا البدء بها والإلحاح عليها.

أشفق كثيراً على البعض بيننا ممن يتعامل مع فكرة العولمة كما لو كانت بضاعة في بقالة ينتقي منها ما يعجبه ويترك ما لا يعجبه. لم تعد المسألة «خياراً» بل صارت «قدراً» ليس ثمة بداً من القبول به والتعامل معه على هذا الأساس. وحينما نفهم جيداً هذه الحقيقة ربما أمكننا أن نتعامل بثقة مع هذا «القدر» بل وربما أمكننا أن نستثمره مستقبلاً لمصلحتنا ومصلحة أجيالنا القادمة.

والمماطلة في قبول حقائق اليوم وما يحمله الغد من تحديات ضخمة سيسهم في أتساع الفجوة بيننا وبين المستقبل وسيعمق بالتالي الإحساس بالضعف والإحباط بيننا، إذ كأننا الآن مجرد مجموعة صغيرة ، داخل حفرة صغيرة، ومنشغلة تماماً بصراعاتها التاريخية (والتي هي بمقاييس اليوم الحضارية هامشية وعابرة) فيما العالم كله، من كل اتجاه محيط ب «حفرة العرب» ينطلق بسرعة.

وفي كل الاتجاهات، نحو المستقبل بكل ما يحمله من تحديات وإمكانات. أفلا نخشى أن يدفننا، في حفرتنا، غبار العاملين والراكضين بسرعة نحو المستقبل؟

أم هل يفيد أن ننادي بالصعود لأعلى قمة في محيطنا كي ننظر لما يحدث خلف الجبال المحيطة بنا من حركة وركض وفعل؟

إنه قدر المتنورين بيننا أن يلحوا كثيراً في طرح الأسئلة المحرجة والمؤلمة من أجل شحذ الهمم للتعامل بوعي ومعرفة ومقدرة مع أسئلة النهضة الجديدة مهما كانت محزنة.

فمن يقرع الجرس ومن يحرر العقل العربي من خوفه؟

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu