موضوع أساسي واحد هو «الأمن» كان القاسم المشترك في قمتين للحوار بين ضفتين شمالية وجنوبية لبحرين مختلفين في توقيتين متقاربين وقارتين مختلفتين واحدة في آسيا في الشرق والأخرى في أوروبا في الغرب.

الأولى في «الدوحة» العاصمة القطرية الخليجية حول «أمن الخليج»، والثانية في «لشبونة» البرتغالية المتوسطية حول «أمن المتوسط»، وذلك في محاولة جادة لوصل ما فصلته عوامل الجغرافيا أو ملفات التاريخ أو تناقضات السياسة.

ولأن الأمن الخليجي العربي يرتبط بالأمن القومي العربي وبالأمن الإقليمي، الأمن القومي العربي ترتبط حلقاته بأمن الخليج وأمن البحر الأحمر وأمن البحر المتوسط التي يطل الوطن العربي على شواطئها، الأمن مفهوم شامل متعدد الأبعاد يتجاوز ما هو عسكري إلى ما يعني الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الأمن السياسي بالاستقلال السيادي والتحرر من الاحتلال الأجنبي والقواعد العسكرية بما يمنع كل أشكال الهيمنة أو الوصاية أو التدخلات الأجنبية.

ويزيل أي ضغوط على حرية خيارات الإرادة الوطنية، ويضع الأسس لعلاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون المشترك لتحقيق المصالح المشتركة، والأمن الاقتصادي من محاولات الطامعين دولا أو شركات متعددة الجنسيات بما يحفظ الثروات الوطنية من النهب أو الاستغلال أو السيطرة ويساعد على دفع حركة ورفع معدلات التنمية الشاملة، والأمن الاجتماعي بما يوجد الحلول لمشاكل انخفاض معدلات التنمية البشرية.

ويحاصر مخاطر البطالة والفقر والمرض بما يحد من مشكل اجتماعية وسياسية خطيرة كالجريمة والإرهاب والهجرة غير المشروعة، والأمن الثقافي بما يحفظ الهوية الثقافية والشخصية الحضارية باسم العولمة، ويدفع إلى الحوار لا الشجار بما يحترم العقائد الدينية والثقافات الوطنية للشعوب المتشاطئة على هذه البحار الثلاثة.

من هنا كان هذان المؤتمران التاريخيان على مستوى القمة مثار اهتمامنا كعرب ومسلمين سواء كنا نطل على الأحداث من منظور خليجي أو متوسطي.

ويبدو للمراقبين للشؤون الخليجية هنا بشكل خاص والشؤون العربية بشكل عام أن الحروب التي جرت والتوترات الحالية التي تريد أن تشعل الحرائق في منطقة الخليج العربي وفي منطقة البحر المتوسط إنما ترجع في خلفياتها الحقيقية إلى مسألتين أساسيتين.

الأولى هي الخلاف الثلاثي حول صيغة أمن الخليج بين ثلاث رؤى، عربية وغربية وفارسية. بين الرؤية الغربية في جانب والرؤية الخليجية بضفتيها في جانب آخر كل وفقا لرؤيته الخاصة من ناحية، وبين الرؤية العربية والرؤية الفارسية لأمن الخليج من ناحية أخرى.

.. والثانية هي القضية الفلسطينية وارتباطها وتأثيراتها وتداعياتها على كل قضايا الشرق خصوصا ما يتصل منها بالموقف من حقوق الشعب الفلسطيني وفقا للرؤية العربية الإسلامية، ووفقا للمنظور الغربي المنحاز والمتصل بأمن الكيان الإسرائيلي الذي هو قاعدة الأمن الغربي في المنطقة.

من الطبيعي أن يمثل أمن الخليج أهمية لدول العالم كله ومن بينها أميركا وأوروبا وليس لدوله فقط لكونه مصدرا لستين في المائة من الاحتياطات العالمية، ومصدرا لما يزيد على الأربعين في المائة من الواردات العالمية للنفط ، وكذلك لما يتمتع به من موقع استراتيجي متوسط في قلب العالم.

لكن من غير الطبيعي أن تتمركز الأساطيل الأميركية ولا أساطيل الناتو العسكرية فيه فضلا عن الغزو الأطلسي لإحدى أبرز دوله وهي العراق بهدف تأمين سيطرتها على نفطه وتهديد إحدى أبرز دوله وهي إيران ضمانا لتأمين السيطرة على مصادر النفط ولضمان أمن «الدولة اليهودية» على حساب الأمن الإقليمي العربي الإسلامي وعلى حساب الأمن القومي العربي.

وهو ما يدعو العرب والمسلمين إلى التوقف عنده بكثير من الدراسة حول الصيغة الصحيحة لـ «أمن الخليج» التي يجب أن تعني ضمان تأمين الأمن والحفاظ على المبادئ والمصالح الإقليمية للدول العربية والإسلامية المطلة عليه أولا قبل تأمين المصالح النفطية والاستراتيجية الأميركية والأوروبية أو الحفاظ على الأمن الصهيوني، بصيغة أمن إقليمي شامل بين ضفتي الخليج من خلال الحوار والشراكة الدفاعية، والتعاون الاقتصادي بالتكامل الإقليمي، وليس بصيغة تحالف مع استراتيجية عسكرية لدول كبرى متحالفة على ضفتي الأطلسي.

mamdoh77t@hotmail.com