حين انهار نظام صدام حسين وعمت الفوضى السياسية والأمنية العراق راح الناس، العراقيون منهم وغير العراقيين، يرددون بلوعة «أن العراق لم يحكم تاريخياً إلا بالقوة وأن العراقيين لا يمكن أن يحكموا إلا بالقوة» .

المقولة قاسية في حكمها على الشعوب ولكن تجارب التاريخ تقولها، أما واقع العراق الراهن فيقول إن رياح الخارج تلعب به من كل صوب، وأن ما يحصل فيه الآن لا يمت بصلة إلى الديمقراطية التي تدعو الولايات المتحدة الأميركية إلى انتشارها، أو تسعى إلى نشرها في العالم العربي، وأنه آن للعراق وللعراقيين أن يختبروا الديمقراطية والنظام الديمقراطي وأن يعيشوا حياة الحرية والاستقرار.

ما ينطبق على العراق والعراقيين لا ينطبق حكماً على لبنان واللبنانيين الذين خبروا على مدى ثلاثة عقود ماضية جميع أنواع الفوضى قبل أن يصلوا اليوم ليعيشوا نوعاً آخر من الفوضى السياسية والأمنية التي ربما يصح وصفها بـ «الفوضى المنظمة».

حيث يستقوي كل طرف أو فئة سياسية أو طائفة روحية فيه، ويدها على الزناد، بقوة خارجية إلى درجة تبدو الصورة معها وكأن مجموع هذه القوى الخارجية أصبح متورطاً بإيجاد حل للمعضلة اللبنانية ولمعضلة اللبنانيين فيما بينهم، حتى لا يؤدي تورطها هذا إلى انفجار الوضع فيما بينها.

في وقت يخلو القصر الجمهوري في ضاحية بعبدا المشرفة على العاصمة اللبنانية بيروت من أي نزيل وسط «مغناة لبنانية» تحذر يوميا من «الفراغ الدستوري» وكأن لا علاقة لـ «المغنين» بهذا الفراغ الذي يحذرون من استمراره.

فخامة الرئيس اللبناني العتيد، كيف ترى الصورة التي ترشح نفسك لاحتلال إطارها؟ أو بالأحرى كيف ستحكم لبنان واللبنانيين؟

فخامة الرئيس لابد من تذكيرك بالآتي:

أولاً - إن ثوابت الوجود اللبناني موجودة وقائمة ويحفظها اللبنانيون، ومن ستتعايش معهم طوال ستة أعوام من الطواقم السياسية، عن ظهر قلب: فلبنان وطن عربي، حر، مستقل، ومحكوم بدستوره وبالتعايش والعيش المشترك والتوازن العرفي بين مختلف طوائفه وأطيافه وفئاته وأحزابه، وأن الفلسطينيين ضيوف على أرضه لحين يتم الاتفاق على عودتهم إلى فلسطين. ثانياً - أنهى اتفاق وقعه ممثلو جميع اللبنانيين في مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية في 30 سبتمبر 1989 الحرب الأهلية التي اشتعلت في لبنان في العام 1975.

إلا أنهم كانوا أو كان بعضهم، يتململ منه أو يتمرد عليه عند كل استحقاق سياسي، وقد بلغت ذروة التمرد على اتفاق الطائف مع الوصول إلى مرحلة تطبيق واحد من آخر بنوده القاضية بضرورة انسحاب القوات السورية الشقيقة من لبنان حين اختلفت الفئات السياسية اللبنانية فيما بينها حول توفر أو عدم توفر شروط الانسحاب.

وقد سحب الخلاف نفسه على آخر بنود اتفاق الطائف القاضي بحصر السلاح بيد القوى العسكرية اللبنانية الشرعية، بعد انسحاب القوات السورية من لبنان، واللبنانيون ما زالوا يعيشون نتائج هذا الخلاف الذي عرقل ويعرقل وصولك إلى القصر الجمهوري في بعبدا.

ثالثاً- خاض لبنان خلال الفترة الماضية معركتين عسكريتين حاسمتين، إحداهما خارجية تمثلت بمواجهة كبرى بين إسرائيل و«حزب الله» فوق أرض الجنوب انتهت بتسجيل «حزب الله» انتصاراً مشهوداً له في تاريخ المواجهة العربية ـ الإسرائيلية، وقد شهدت كل من المواجهة والانتصار تأييداً على رغم تحفظ بعض اللبنانيين على تفرد «حزب الله» بقرار الأسلوب والتوقيت.

أما الجبهة الداخلية فقد شهدت بدورها معركة حاسمة بين الجيش اللبناني وإحدى الفصائل الفلسطينية المسلحة التي بادرت بالاعتداء على الجيش، وعلى الرغم من تحفظ بعض اللبنانيين وتحذيرهم من المس بسلاح المقاومة الفلسطينية، إلا أن الالتفاف والإجماع حول حق الجيش بصد العدوان عليه وبردع المعتدين ومحاكمتهم حمى ظهيره ليحسم المعركة لصالحه.

فخامة الرئيس اللبناني العتيد، في ضوء ما تقدم ننصح بالآتي:

أولاً ـ دعوة جميع الفئات اللبنانية على اختلاف انتماءاتها السياسية والحزبية والطائفية للتوقيع على ميثاق شرف يجددون فيه الاعتراف بالثوابت اللبنانية التي سبق أن اتفقوا عليها كأساس للوجود اللبناني، على أن يشمل هذا الميثاق موقفاً صريحاً.

وواضحاً من اتفاق الطائف يلزم جميع الأطراف بالموافقة عليه ووضع روزنامة زمنية بتطبيق أي بند من الاتفاق لم يتم تطبيقه حتى الآن، حتى لا تتكرر معاناة اللبنانيين التي حصلت نتيجة «اتفاق القاهرة» الذي وقعه اللبنانيون والفلسطينيون في 3 نوفمبر 1969 بهدف تنظيم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان.

ثانياً ـ لقد أثبتت معركة «حزب الله» ـ إسرائيل الحدودية، ومعركة الجيش اللبناني ـ المسلحين الفلسطينيين الداخلية، والفشل في توريط الجيش اللبناني بأية معارك داخلية جانبية، أن الوضوح في الموقف والحزم في تطبيقه قادران على تأمين العدالة بين مختلف الأطراف اللبنانيين.

وكذلك إرساء الاستقرار السياسي والأمني في البلاد الذي ينشده جميع المواطنين اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية والحزبية والطائفية، الأمر الذي يلزم جميع الفئات السياسية الالتزام به لأنه نابع من إرادة الناس سواء انتموا إلى هذه الفئة أو تلك.

فخامة الرئيس اللبناني العتيد، أنت مدعو للأخذ بالحزم في تطبيق إرادة اللبنانيين بما توافقوا عليه من ثوابت واتفاقات لأنها ملكهم وليست ملك من وقعوها حتى يتحفظوا عليها أو يدعوا لتطبيقها وفق مصالحهم وتكتيكاتهم السياسية .. أنت مدعو للحزم قبل العدل فالحزم في تطبيق الحق عدالة.

كاتب لبناني

moc.liamg@0591idnahg