أول ما يدعو للتشكك في نوايا دول الاتحاد الأوروبي تجاه مشروع «الشراكة الاستراتيجية» الجديد بين أوروبا وإفريقيا هو استمرار الحملة الاوروبية المحمومة وغير المبررة على رئيس زيمبابوي روبرت موغابي.. فقط لأنه مارس حق السيادة الوطنية لبلاده.
مشروع الشراكة أعلن في ختام مؤتمر قمة في لشبونة شاركت فيه 27 دولة أوروبية و53 دولة افريقية، وعلى خلفية عقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي على زيمبابوي تعرض رئيسها خلال المؤتمر إلى إساءة من ممثلي بعض دول الاتحاد.
لماذا العقوبات الاقتصادية ولماذا التجريح؟
لأن الرئيس موغابي نفذ برنامجا جرى بموجبه تأميم الاقطاعيات الزراعية الكبرى في بلاده ومن ثم نقل ملكيتها من الرأسماليين الزراعيين من أقلية المستوطنين البيض إلى مزارعين من أغلبية السود.. أصحاب الأرض الأصليين.
اتخذت دول الاتحاد الأوروبي هذا الموقف التحيزي الفاضح لصالح أقلية المستوطنين ـ وهم من أصول أوروبية ـ ضد الأغلبية لأن حكومات أوروبا تخشى ان تنتقل «عدوى» الإجراء الزيمبابوي إلى دول افريقية أخرى ذات وضع مماثل ـ وعلى الأخص جمهورية جنوب إفريقيا وكينيا.
قياسا على هذا الموقف فان نوايا أوروبا من خلال مشروع الاستراتيجية المشتركة مع إفريقيا ستبقى موضع ريبة خاصة ان دول الاتحاد الأوروبي تشن حربا اقتصادية مكشوفة ضد الرئيس موغابي وبلاده بهدف الإطاحة بنظامه.
وكامتداد للارتياب في النوايا الأوروبية نتساءل: ما جعل الاتحاد الأوروبي يبتدر مشروع الشراكة وقد انقضى على مرحلة تحرر البلدان الإفريقية من الاستعمار البريطاني والفرنسي والاسباني والبرتغالي نحو نصف قرن؟
من الواضح أن الطبقة الحاكمة في الدول الأوروبية باتت تتخوف من انتشار النفوذ الصيني في بلدان القارة الإفريقية وهو نفوذ يتنامى بإيقاع متسارع، ومما يضاعف من الخوف الأوروبي ان الصين تتوسع في إفريقيا ليس بهدف «محاربة الإرهاب» أو «ملاحقة عناصر القاعدة» أو تملك قواعد عسكرية أو استثارة قومية إثنية ضد أخرى وانما بهدف المشاركة الجادة في ابتدار أو تمويل أوتنفيذ مشاريع تنموية جادة في مجال البنى التحتية.
على مدى مرحلة ما بعد الاستعمار وحتى اليوم ظلت الدول الأوروبية ـ والغربية عموما ـ تأخذ من بلدان إفريقيا أكثر مما تعطي من خلال شروط تجارية مجحفة، وكانت النتيجة ان البلدان الإفريقية اليوم أسيرة مديونية خارجية للغرب أفضت بها إلى حالة إفلاس شامل مع انتشار ظواهر الفقر والمرض والجهل.
لقد ورد في بيان قمة لشبونة ان القمة فتحت من خلال إعلان مشروع الشراكة الاستراتيجية «صفحة جديدة» في تاريخ العلاقات بين القارتين الأوروبية ـ والإفريقية، ولا يسعنا إلا أن نأمل أنه ستكون هناك فعلاً نقلة جديدة.
فالشعوب الإفريقية ليست بحاجة إلى جماعات «إغاثة» لتوزع عليها فتات خبز وإنما هي بحاجة إلى مشاريع زراعية طموحة تشمل انشاء سدود ومشروعات ري من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء الضروري.
وهي ليست بحاجة إلى مشتريات أسلحة بقدر ما هي محتاجة لمشاريع في مجال البنى التحتية خاصة في مجال التعليم ومجال الصحة. وفي هذا الصدد تحتاج الشعوب الإفريقية إلى مشروعات للقضاء على أوبئة الايدز والملاريا والسل.
وإجمالاً فإن القارة الإفريقية تحتاج إلى تمويلات لاستغلال ثرواتها الطبيعية لتتمكن من تحقيق الاعتماد على الذات، ولننتظر لنرى ماذا ستعني «الشراكة الاستراتيجية».