يدخل اليوم «أنابوليس» إلى غرفة الامتحان. الاجتماع الفلسطيني ـ الإسرائيلي الأول، يطلق عملية التفاوض النهائي. تسع لجان من خبراء الجانبين تبدأ ببحث القضايا الخلافية الجوهرية. إسرائيل تحاول إضفاء أجواء ايجابية؛ على هذه البداية.
الجانب الفلسطيني قادم إلى الطاولة بكثير من الحذر والشكوك، خشيته، على ما يبدو، أن يتكرر ما اكتوى منه في السابق؛ مراراً، وارتيابه في محله. ما قامت وتقوم به حكومة أولمرت عشية المفاوضات الحاسمة، وفق أنابوليس، لا يبشر بالخير.
وبالتحديد، في مجال الاستيطان وتضم الأراضي الفلسطينية؛ مع ما يؤدي إليه ذلك من تقزيم وتقطيع وبالتالي نسف، لإمكانية إقامة الدولة الفلسطينية. هي تدرك أن هذه الورقة هي القاتل الأول للمفاوضات.
والتوقيت ليس صدفة. وزيادة في الاستفزاز والتخريب، تقول وببرودة ماكرة، ان توسيع مستوطنة أبو غنيم لا ينبغي أن يشكل عقبة في طريق المفاوضات! كاد ينقصها أن تزعم وبالوقاحة المعهودة، بأن الاستمرار في الاستيطان من شأنه تزخيم المفاوضات وتسريع السلام!
خطابها شيء، في أنابوليس وبعده وسياستها على الأرض شيء آخر على النقيض. والأنكى أن صاحب أنابوليس وراعيه، لم يصدر عنه إزاء هذا التناقض، الذي يهدد المفاوضات، سوى الكلام الذي لا يزيد على إبداء الأسف والمعاتبة الرقيقة. وهو يعرف تماماً، على الأقل في ضوء التجارب الخائبة لمسيرة المفاوضات، ان الاستيطان والسلام لا يتعايشان. بل أن الثاني محكوم بالإعدام بوجود الأول.
الوزيرة رايس قادمة قريباً إلى المنطقة، وأيضاً الرئيس بوش. هل الهدف هو تعويم أنابوليس، على الأجندة؟ الشكوك كفتها راجحة وبصورة كاسحة؛ في ضوء معطيات مثل هذه الانطلاقة للمفاوضات، لكن جدية الرئيس وإدارته، التي طالما شددت عليها رايس، في الميزان.
بيد أن إدارة الرئيس بوش ليست لوحدها، على المحك، في أعقاب أنابوليس. الوضع الفلسطيني هو كذلك، أيضا جردة حساب تكشف كم كانت الخسائر كبيرة، منذ القطيعة بين رام الله والضفة المحاولات الجارية لوصل ما انقطع، تحمل بشائر انفراج.
إشارات على الخطين، تحمل رسائل أولية باتجاه ترطيب الأجواء بين «فتح» و«حماس»، تعززها مساعي عواصم عربية، في هذا الإطار. ثمة ما يوحي بوجود مراجعة للمواقف وعودة إلى وحدة الصف.
غزة أحست بالتعب، الحصار كانت ضريبته قاسية. بدأ يطاول اللحم الحي. منظمة الصحة العالمية تقرع ناقوس الخطر الطبي في القطاع.
بالإضافة، يبدو أن الرياح العاصفة في المنطقة قد أدت إلى بداية إعادة نظر بحسابات؛ ساعدت على تعزيز أجواء التقارب الفلسطيني، من جهة ثانية يشير خطاب رام الله إلى أن أنابوليس قد يكون في خطر؛ وان إسرائيل تتكئ على عكاز الخلافات الفلسطينية، كي تمعن في الاستيطان وفي التخريب على مفاوضات الحل النهائي.
في ضوء هذه المعطيات والتطورات؛ يبدو أن الظرف الراهن يقدم فرصة للفرقاء الفلسطينيين؛ تفتح سبيل العودة إلى رحاب الوحدة الوطنية؛ التي تشكل في نهاية المطاف الضمان الأول والأقوى؛ إذا لم يكن لتحقيق المكاسب الآنية فعلى الأقل لوقف النزف وتقليل الخسائر.
فهي وحدها جسر العبور إلى ضفة الدولة، إذا كان للمفاوضات أن تؤتي ثمرتها. وفي أسوأ الحالات هي الضمانة لحرمان إسرائيل من مواصلة جنيها لمكاسبها من الانقسام الفلسطيني. وبذلك فان الوضع الفلسطيني الآن على المحك بقدر ما هو أنابوليس ومعه إدارة بوش.
