اتفق مع الذين يقولون إن حجرا من البناء يتم تشييده أفضل بكثير من الكلام الدعائي. هذا ما عودتنا عليه أجهزة الإعلام خلال عمر مشروع مجلس التعاون، فهي لم تكن قط مؤسسات نقدية في عقديها الأولين، بسبب طبيعة المناخات السياسية والإعلامية والثقافية في المنطقة، فالأجهزة عاجزة وليس بإمكانها تخطيه وتجاوزه، فبات بين الإعلام الرسمي والشارع السياسي فتور واضح وهوة واسعة جسدت النموذج الفعلي للاتساع والمسافة الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية.
حيث كانت تنتظر الإشارات الرسمية فيما تقوله وتكتبه بين الأحلام والحقيقة، بين طموحات الإنسان في دول مجلس التعاون وبين رغبات الأنظمة وتحدياتها الخارجية والداخلية.
لكل مرحلة سماتها، وكان على رجل الشارع أن يتقبل تلك الحقائق ويرفضها لكونها أبعدته طويلاً عن دوره في المشاركة باعتباره معنيا بالدفاع عن حقوقه وأمنه الاجتماعي والسياسي، ومعنيا بالمشاركة مع الأنظمة بوضع وصياغة تطلعاته. كان سؤالا ينمو ويتكرر دائما في أذهان الجيل الأول، وهو جيلنا حول هل كان مشروع مجلس التعاون تعبيرا عن إرادة الشارع المعزول أم انه استجابة لمتطلبات المتغيرات الإقليمية والأوضاع الراهنة؟
سؤالا كان يومها مشروعا حينما تم الإعلان عن قيام مجلس التعاون الخليجي، فقد كان تعبيرا حقيقيا عن رغبة أكيدة للمستجدات الأمنية التي فرضتها حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، بل وكانت تطويرا فعليا في اتجاه فكرة بناء قوة عسكرية إقليمية متوازنة بعد رحيل الشاه وصعود الثورة الإسلامية في المنطقة، حيث كانت أجندة في تلك الثورة ومن أولوياتها تصدير الثورة كجزء من مشروعها وحلمها في الهيمنة على الشارع السياسي في المنطقة.
كان على جيلنا أن يشهد كل عام تلك الاجتماعات الدورية لمجلس التعاون، ويتابعها بسلبية وبرود وكل ما كان يتلمسه هو تلك الأعلام والعاصمة التي يجتمع فيها القادة والحكام، لعله يسمع ما يلامس تطلعاته بعمق ويغوص إلى همومه، غير أن القضايا الكبرى كانت مختلفة حينها.
وكان علينا أن نكبر بتجربتنا ويتبدل الشارع السياسي وتنمو التجربة ويستعيد الوضع الخليجي بعضا من عافيته ويعيد ويقلب أوراقه مجددا حول تجربة بدأت من ظروف إقليمية وأمنية إلى أوضاع جديدة تلامس هذه المرة وضعا امنيا جديدا وإقليميا.
ولكنها هذه المرة نقلت المشهد السياسي وتراجيديته إلى قلق أوسع ومباشر هز بصورة عميقة أسئلة معلقة لم يجد رجل الشارع السياسي استجابات لها من الأنظمة التي يعيشها، ولكنها هذه المرة وضعت الجميع أمام حقيقة واحدة ومصيرية، فقد فجرت عملية غزو الكويت في بداية التسعينات وحرب الخليج الثانية قيمة كبرى، هزت الوجدان الجماعي في المنطقة وأسست لوعي مصيري محسوس، شعرت به معا الأنظمة والشعوب دون الحاجة إلى مؤسسات إعلامية دعائية كعقدها الأول.
ما جعل المواطن الخليجي يتساءل مرة أخرى بعد ذلك الغزو المرعب أن الأخطار والتهديدات لا تمس أنظمة سيجت نفسها بهاجس الخوف من شعوبها مثلما عزلت تلك الطاقات والمواقف عن أهميتها لتأسيس شرعية حقيقية بين المواطن الخليجي وأنظمته.
بالرغم من إمكانية تشييد جسور للتواصل بين المجتمع المدني ومؤسساته غير الحكومية والنظام السياسي الباحث عن استجابات جديدة من قاعدة المجتمع وبضرورة الالتفاف على الأنظمة وتسييجها بالحماية والدفاع.
فقد صارت الأخطار الخارجية عنصرا فاعلا وايجابيا في التلاحم، إذ بات الجميع الشعب والنظام السياسي يتحسسان أن الوطن هو المستهدف ولا يمكن عزل المسألة وتبسيطها برؤية سياسية عابرة، قائمة على الصراع اليومي والاختلافات التاريخية بين المجتمع وشرائحه وطبيعة الأنظمة ومكوناتها المتباينة، فقد ولدت حقائق الغزو حقائق أخرى وكشفت عناصر سياسية ملحة، فدبابات صدام حسين هزت قناعات الجميع، وخلقت جرحا أعمق وشرخا سياسيا في الشارع العربي.
تعلمت منه شعوب المنطقة تجربة جديدة، قاربت بين المسافات التاريخية والاختلافات، وكرست معالم وحدة ضرورية تتخطى الرؤية الأمنية إلى رؤية تلامس بنية السياسة والمجتمع والاقتصاد، حيث كان العالم في التسعينات ينتقل إلى عصر التكتلات الاقتصادية ونواة نظام عالمي جديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. خلال العقدين الأولين ولد جيل جديد تلقى ثقافة مختلفة وشعر بنوع من التقارب والإجراءات المحسوسة لحراكية المشروع الإقليمي.
بخلاف جيلنا الذي ظل لفترات طويلة يتحسس من مشروع لم ير فيه انعكاسات ايجابية على مصالحه المباشرة وتكوينه الروحي والسياسي، خاصة وإننا عشنا حقبة الاستعمار وهيمنته مثلما عشنا حقبة ولادة الأنظمة واستقلالها الوطني وتأسيس دول فتية مستقلة تتطلع إلى تملك إرادتها السياسية والتحكم في ثروتها ومصيرها، ولكن العلاقة ما بين قاعدة المجتمع وهرمه السياسي ظلت متوجسة ومتصارعة بعيدة عن المشاركة في القضايا الجوهرية، غير أن التسعينات كانت تجربة عميقة للعالم اجمع.
فقد هبت ظروف عالمية تؤسس لقيم الشراكة بين القطاعين الخاص والعام، بين منظمات المجتمع المدني ودوره والحكومات، وبضرورة تجسير الهوة والاختلاف، بتأسيس قيم جديدة قائمة على حقوق الإنسان وإشراكه في القرار والمصير والصراعات التي تحيط به، وبتفهم الجميع للعلاقة والدور المطلوب بينهما، فلا يمكن أن تواجه الأنظمة أزمات البيئة والبيئة السياسية والأمن لوحدها دون إشراك شعوبها في معالجة وتفهم المتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية.
دخلنا العقد الثالث وشاهد جيلنا سقوط العراق وتفكك دولته الحديثة وتشرذم العالم إلى مواقف واتجاهات، وبدأ الجيل الثاني يتحسس معنا الأخطار الإقليمية المحيطة بنا، وضرورة زجه بتحمل المسؤولية وبتنمية وعيه ودوره المتنوع، فليست مصائر شعوب المنطقة توحدها فقط فرح وتشنجات اللقاءات الرياضية المنتظمة.
وليس مجرد العبور من دول إلى أخرى ببطاقات صغيرة عند نقاط التفتيش في دائرة الجوازات هي الهدف النهائي، وإنما بناء وحدة حقيقية تؤسسها مصالح اقتصادية ملموسة فكان النموذج الأوروبي لنا درسا تاريخيا مهما فمن وحدته وظروفه بين الحربين العالميتين، انبثق مشروع اقتصادي وسياسي كبير هو مشروع الاتحاد الأوروبي.
مثلما تسارعت التجارب المحيطة بدول مجلس التعاون وتحديات عالمية كبيرة لدفعه للالتفات إلى تعميق المشاركة وإزالة الخلافات تدريجيا بين الأنظمة نفسها من جهة وبين الأنظمة وشعوبها من جهة أخرى. كل ذلك يجعل من انطلاقة إعلان وقرارات الدوحة في 2007 حقيقة هامة، إذ حان الوقت للانطلاق نحو تأسيس السوق الخليجية المشتركة، كدرع واق لاقتصادها ونظامها الإقليميين في عصر التكتلات الكبرى.
وبأهمية إقامة كل أشكال الحماية النقدية وتوسيع التجارة البينية والدخول في هذا العصر باقتصاد متماسك ومتين لا تهزه الأزمات والحروب والمتغيرات المفاجئة، فان التأسيس للوحدة والسوق الخليجية المشتركة بات ضرورة ملحة ،وخيار تاريخي استراتيجي انتظره جيلنا بكل ما حمله من شك وارتياب حتى بلوغه قناعة جديدة، إلى أن تماس وتماهي مع جيلنا الثاني الذي بدأ القلق والأسئلة لديه اقرب إلى الحقيقة من مشاعر الشك والخوف.
والتي هواجسها بدأت بالفعل تنزاح عن ذهنية الأنظمة، فقد ولدت مشاريع سياسية جديدة وانطلقت الأصوات المجتمعية والإعلامية بروح ونفس مختلف، يؤسس لمستقبل المشاركة والتفاعل بين القاعدة والقمة دون الحاجة للخوف من حالة وحدة التنوع والصراع في مجتمع فاعل ومتباين قائم على روح الحوار والمصالح المشتركة وتقاسم الهموم والخبز والحرية.
كاتب بحريني