كتب الرئيس السابق للبنك المركزي الأميركي «آلن غرينسبان» في مذكراته التي صدرت مؤخراً، أن النفط هو أحد الأسباب الرئيسية في الحرب على العراق، وشهادة من مثل هذه الشخصية الاقتصادية المقربة من جورج بوش ليست بغريبة ولا جديدة، لكنها أكدت على ما تم تداوله من قبل شخصيات أميركية وأوروبية، وهو أن موضوع الحرب على العراق مرتبط بنفط العراق والمنطقة..
مع ذلك فالمسؤولون الأميركان وعلى رأسهم «الرئيس جورج بوش» ينكرون هذه الحقيقة، ويخلقون ذرائع جديدة بين فترة وأخرى لإخفاء نواياهم الحقيقية التي باتت مكشوفة للجميع حول أسباب غزو العراق، أولها كان امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، وعندما لم يجدوا ما يدعمون به ادعاءاتهم، خرجوا لنا بأن الحرب على العراق كانت للقضاء على الإرهاب وصدام كان داعماً له.
ومع استمرار تورطهم في العراق، قد يخرجون بأكاذيب جديدة قبل أن تنتهي فترة ولايتهم ويذهبون بلا رجعة، كما حصل حين نفدت حججهم وادعوا أن هدفهم جلب الحرية للشعب العراقي، وشعوب المنطقة، كيف، والإحصائيات المنشورة في وسائل الإعلام الغربية تقول إن أكثر من 3 ملايين عراقي لاجئ في الخارج، وأكثر من 4 ملايين فقدوا منازلهم أو هجروها خوفاً، ويعيشون بلا مأوى، هذا ما وصل إليه حال العراق بعد هذا الهدف النبيل، فما أغلاها تلك الحرية التي تشرد أهلها، وأية قيمة لها ولم تجلب لهم سوى الفقر والدمار؟
مع ذلك فحكومة جورج بوش لا تبالي، ومستمرة في نشر ادعاءاتها في المنطقة، حيث أعلنت أن دور محور الشر الثاني وهي إيران قادم، وكعادتها لم تجهد نفسها في ايجاد ذرائع جديدة لفرض عقوبات عليها في البداية، ثم يتطور الأمر بشن حرب عليها.
وأطلقت نفس التهم وهي دعم الإرهاب وامتلاك القدرة على تخصيب اليورانيوم، وحتى لو كان ذلك صحيحاً فإن ما يجري من تضخيم إعلامي حول قدرة إيران على إنتاج أسلحة نووية يمكنها تهديد أمن أوروبا وأميركا فاق كل الاكذوبات السابقة، وأين الأمن أمام الحقيقة المؤكدة وهي امتلاك إسرائيل لأكبر ترسانة نووية في المنطقة كما يقول بعض الخبراء الأوروبيين والأميركيين.
وكما أكد خبير إسرائيلي، ولم تنكره إسرائيل، أم أن هذه الأسلحة تستطيع بها إسرائيل تدمير منطقة الشرق الأوسط فقط، ولا يمكنها الوصول إلى أوروبا وأميركا لذا لا خوف عليهم فهذه الدولة من صنعهم، واستقوت وتغطرست بهم، وتحسباً من أن يأتي يوم وتنقلب عليهم، فهم الآن تابعون لها، ويتلقون الأوامر منها، وليس العكس، وساكتون على ممارستها الإرهاب الرسمي الحكومي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، فلماذا وإلى متى السكوت عنها وعن أفعالها وهل باتوا غير قادرين على كبح جماح جبروتها فاستسلموا لغاياتها اللاإنسانية واللاأخلاقية.
من الواضح أن القصد من وراء تهديد إيران هو امتداد لما حصل في العراق، وهو إرضاء إسرائيل والسيطرة على مصادر البترول في المنطقة، وبالتالي إضعاف الدول القوية منها القادرة على مواجهة إسرائيل من أجل مصلحتها ومصلحة الدول الرأسمالية الغربية، وإذا استرجعنا بموضوعية سير الأحداث من حولنا لابد وأن ندرك أن هذه هي عين الحقيقة، وما يقال غير ذلك لا معنى ولا أساس له.
إن شعار الحرية والسلام والقضاء على الإرهاب شعار جميل، وشعوب العالم كله تنادي به وتتمناه وتسعى إليه وفي مقدمتها الشعوب العربية خاصة في الشرق الأوسط، أكثر من شعوب أوروبا وأميركا، لكن كيف؟ وبأية وسيلة؟ وبأي ثمن؟
إذا أرادت أميركا وحلفاؤها الأوروبيون الذين لم يبق في حكوماتهم المؤيدة لها إلا القليل، وتساقطت الواحدة تلو الأخرى، كما تغير موقف بعض الحكومات الأوروبية الجديدة من المارد الأميركي حسب ما تقتضيه المصالح، فإذا أرادوا فعلاً الحرية للشعوب، والسلام الحقيقي والدائم ليس في المنطقة فحسب بل في العالم بأسره عليهم الاعتراف بحقيقة واحدة.
وهي أن أكبر خطأ ارتكبوه هو زرع إسرائيل في المنطقة ضد إرادة شعوبها، فهذا الخطأ غير مقبول ولا يغتفر لأن إسرائيل هي مصدر الإرهاب والاستبداد والظلم والقهر في الشرق الأوسط وفي العالم، وعليهم الاعتراف بأن من سبقوهم من ساساتهم قد أخطأوا بذلك في حق العرب والفلسطينيين، فليحاولوا إصلاح ما أفسده من سبقوهم، وليثبتوا أنهم مع إرجاع الحقوق المغتصبة إلى أصحابها.
ولو بالقول، أو على الأقل عليهم من منطلق الحضارة والتقدم والعولمة التي ينادون بها إن هم صادقون، توقيف إسرائيل عند حدها وردعها عن فكرة الامتداد الجغرافي والاعتداء على الدول العربية والتدخل في شؤونها.
والأهم من كل هذا إنشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف، لأن هذا هو الحل الوحيد لمشكلة الشرق الأوسط، والمفتاح الأكبر لاستقرار المنطقة والعالم.
ومن أجل السلام الدائم عليهم السعي إلى إخلاء المنطقة بما فيها إسرائيل من الأسلحة النووية، والسماح لكل الدول بامتلاك وسائل الطاقة السلمية ضمن شروط وتحت إشراف الأمم المتحدة.
ولو استبشرنا خيراً وأحسنا الظن في نواياهم وقدرتهم على تحقيق كل هذا، وعلى كبت أطماعهم في ثروات المنطقة وأملنا أن يكون فعلا همهم الوحيد هو حرية الشعوب فهم بذلك لن يخدموا الشعوب العربية فقط وإنما سوف يخدمون أنفسهم، وقد لاتحتاج أميركا إلى صرف مليارات الدولار على أنشطتها الاستخباراتية للقضاء على الإرهاب وتحسين صورتها لدى الشعوب العربية والإسلامية، هذه المصروفات التي وصلت في عام 2007 إلى 31 مليار دولار.
كما ورد في وسائل الإعلام الأميركية، أما غير ذلك فمهما صرفت من أموال، ومهما هددت دول المنطقة فلن تحقق السلام حتى لو قامت كل الدول العربية بالتطبيع الإجباري مع إسرائيل لأن شعوبها لن تقبل أبداً والدليل أن بعضا منها قامت فعلا بذلك لكن شعوبها مازالت صامدة ورافضة حتى الآن، أم يعتقدون أنهم هم البشر الوحيدون الذين ولدوا أحراراً والشعوب العربية ولدت لكي يستعمروها ويسيطروا على ثرواتها، أو ربما هي بالنسبة لهم غير جديرة بالحرية لأنها تعودت على الظلم والاستبداد والخضوع؟
كاتب إماراتي
