من البداية كان المعروف أن انتخابات الرئاسة في لبنان، لن تكون سهلة هذه المرة. الخلفية والتعقيدات والتداخلات؛ فضلاً عن الشروط وما يقابلها من شروط مضادة؛ كلها تجعل من اختيار الرئيس الجديد عملية قيصرية عسيرة، وحتى مرور الاستحقاق ومهلته الدستورية ومن ثم دخول البلد في فراغ رئاسي؛ لم يكن مستبعداً. كل ذلك كان مفهوماً.

ولو أنه غير مرغوب، لكن ما هو ليس مفهوما في الآونة الأخيرة هو أن الأمور ما أن تبدو سائرة نحو الحلحلة، وأن الانتخاب بات على قاب قوسين؛ حتى ينبت فجأة ما يعرقل العملية ويطفئ سراج التفاؤل، وبذلك يعود الملف إلى المربع الأول، ليدخل الوضع من جديد في لعبة التدويخ والتعجيز، وكأن في الأمر لغزاً يتعذر فك شفرته، أو كأن قدر لبنان أن لا يخرج من هذه الدوامة المنهكة.

وحتى إشعار آخر. جلسة البرلمان اليوم كانت شبه محسومة، أو هكذا كان الاعتقاد؛ حتى أمس الأول، الردود والتصريحات الصادرة عن مختلف الأطراف أوصت، بدرجة أو بأخرى، بالتصريح أو بالتلميح، بأن التئام مجلس النواب لحسم هذا الموضوع صار في حكم تحصيل الحاصل.

المرشح، العماد سليمان، انعقد حوله الإجماع، والاشكاليات حول الآليات الدستورية تسير في طريق إيجاد المخارج لها. التفاصيل الأخرى السياسية والإجرائية تجري معالجتها وإزاحتها من الطريق، وفي لحظة، بدا أن يوم 11 /12 هو يوم الخلاص وخروج لبنان من النفق الأسود.

المشهد السياسي، أعطى إشارات بأن اللاعبين تعبوا، أو ربما سلّموا بأن اللعبة بلغت نهاياتها؛ ولا بدّ بالتالي من التوجه إلى المجلس النيابي وترئيس مرشح التوافق، خاصة وأنه ليس في الساحة من يعترض عليه أو يرفض انتخابه لهذا المنصب.

ولكن بسرعة تبدّدت هذه الصورة، شروط قديمة ـ جديدة برزت؛ وقابلها رفض قديم ـ جديد، وعاد الإصرار على الشروط ليستبد بالمواقف؛ واستطراداً لينسف الجلسة ومعها آمال اللبنانيين وأجواء التفاؤل التي سادت.

والصدمة هذه المرة كانت أشد من المرات السابقة، وعبور هذا الممر بدا وكأنه بات في متناول اليد، وإذا بيد ما، تخطف الأمل وتحوله إلى وهم، ومطالب وكان الاعتقاد أنها سقطت وجرى تخطيها؛ وهي ذات طابع إجرائي، أساساً، وإذا بها تعود إلى المسرح وتتحوّل إلى عقدة مستحكمة، لاسيما وأنها لم تكن من البداية مطروحة، بهذه القوة.

الموضوع هنا ليس في مشروعية أو عدم مشروعية هذه الشروط، ولا في مدى صواب الرد عليها ورفضها، الموضوع هو في مدى الإحباط الذي أضافه التأجيل الثامن لجلسة البرلمان، وبالتالي لانتخاب الرئيس الجديد. فعندما يجمع الفرقاء اللبنانيون ـ على الأقل ظاهراً ـ على اسم مرشح، بعد كل هذا الوقت والتعقيد والتعجير.

ثم ينفرط العقد ـ أو الأصح يجري فرطه لعلة ما ـ بهذه السهولة وفي هذه الظروف بالذات؛ فإن ذلك ليس أقل من هزّة تهدّد ليس فقط بتمديد الأزمة وعمر الفراغ، بل أيضاً بفتح أبواب ونوافذ البلد أمام الرياح العاتية، النافخة في أكثر من ساحة في المنطقة، والتي تشكل الساحة اللبنانية ساحة خصبة لها.

الذهاب في اللعبة السياسية إلى آخرها،ممارسة مشروعة طالما بقي الشد والتجاذب في حدود المقبول والمحمول. لكن عندما يتحول إلى إصرار على تجاوز الخطوط الحمر فإنه عندئذ يصبح لعبة مدمرة. ولا يجوز للبنانيين تدمير الهيكل على رؤوسهم.