تعقيباً على مقال الأمس حول التغيير، سألني أحد القراء: كيف يكون التغيير فعل إرادة المجتمع، مؤكداً فيما يشبه القناعة لديه على أن التغيير في المجتمعات التقليدية والمحافظة كمجتمعاتنا هو في الحقيقة فعل سلطة أو إرادة حكومة لا دخل لأفراد المجتمع فيه، أو لا علاقة لمنظمات المجتمع الأهلي فيه، وأن لأفراد المجتمع الحق في التمني أو التخيل فقط، ما عدا ذلك، فالفعل والقرار النهائي الذي يحسم ما إذا كان هذا التغيير ممكناً أو غير ممكن في ملعب السلطة!

ليس في حديث القارئ أي خطأ، وليس بما كتب بالأمس أي تجاوز على منطق الواقع، فكما تريد الحكومة أن تغير المجتمع نحو الأفضل لأن هذا دورها وطموحها، ولأن ذلك يحسن موقعها ومكانتها أمام المجتمع الدولي باعتبارها شريكاً لهذا المجتمع، فإن التغيير نحو الأفضل أيضاً هو طموح الناس وحقهم ولذلك يجب أن يكون لهم دور فاعل فيه.

كأفراد في المجتمع، كشركاء في المصير وفعل التغيير، كمستفيدين أو متضررين إزاء ما يحصل من تطورات وتحديات، وتطور ثابت وعالمي فيما يتعلق بدور الجماهير في التأثير في معطيات واقعهم، فإن فعل التغيير لا يمكن أن يكون كاملاً وحقيقياً ومستوفي الشروط ما لم يشارك فيه الجميع، وما لم يتم فيه إقصاء أي طرف بحجة عدم النضج أو عدم المسؤولية أو على أساس ذهنية الوصاية الأبوية التي انتهت وولى زمانها.

ترغب الحكومات في إضفاء صورة معقولة لنفسها أمام المجتمع الدولي، سواء أمام الدول المتقدمة التي تنتهج الديمقراطية وتفعل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو أمام منظمات المجتمع المدني العالمية العاملة في مجالات حقوق الإنسان تماشياً لتقاريرها المحرجة والضاغطة،

ولذلك فإن الحاصل في هذه الفترة الزمنية التي نعيشها أن السعي الحكومي باتجاه منظمات المجتمع المدني سيزداد والرغبة في إيجاد شراكات مع هذه المنظمات ستصبح أكثر وضوحاً، إن لم يكن في سياق الاقتناع، ففي ظل معطيات الواقع الراهن الذي يدفع باتجاه تفعيل دور هذه المنظمات!

على ذلك فإن أصحاب مشاريع التغيير، الذين ما زالوا يقبضون على جمرته بعد كل تجارب الإحباط والتثبيط السابقة، يتوجب عليهم الدفع وبايجابية تامة باتجاه العمل على استغلال اللحظة، وهو استغلال ايجابي ومطلوب لأنه سيصب في النهاية في صالح الجميع.. فليس أجمل من مجتمع يتشارك الجميع فيه قرار العيش وفق أكثر الشروط إنسانية وتحضراً وتشاركاً.

على ذلك نعود لنقطة البدء للتأكيد على أن التغيير فعل إرادة، فعل عدم اليأس من حدوث التغيير، فعل عدم استسلام لسطوة الظاهر، فعل استمرار ومثابرة، فعل تقوية أدوات وصلاحيات منظمات المجتمع المدني، فعل السير باتجاه الآخر بقوة وبدون أفكار مسبقة وسلبية مانعة لهذا السير، هكذا يصبح التغيير فعل إرادة مشترك لا فعل أمنيات مقتطع أو منبت!.

ayya-222@hotmail.com