قد يستغرب القارئ عنوان المقال ويتعجب إن كان هناك من يجرؤ على سرقة الفرحة بالزيادة التي أعلنت عنها الدولة على الرواتب بنسبة 70% اعتباراً من يناير 2008، لكن واقع الأسواق والعروض البنكية التي بدأت تهطل على العملاء.
والقرارات الجديدة التي تقوم بعض الوزارات بإعدادها لرفع الرسوم الخدمية أو لإجراء المزيد من التعديلات على المعونات الاجتماعية، كلها حقائق تؤكد على أن هناك جهات وأفراداً بدأوا فعلياً في سرقة الفرحة التي عمت البلد بعد الإعلان عن هذه الزيادة، وهو الأمر الذي لا ينبغي الصمت حياله.
إن ما نؤمن به هو أن الصمت على زيادات الأسعار، والضغوط التي تمارس على أفراد المجتمع بعد الزيادة المعلن عنها والتي لم يقبضها الناس بعد، منتظرين نهاية يناير 2008 لتنفيذ القرار سيضعف أي تحرّك حكومي نحو تخفيف الأعباء المعيشية،
بل وربما يحوّل زيادة الرواتب مستقبلاً إلى قلق يخشاه الجميع جرّاء ما يعقبه من تداعيات تتيح الاستفادة من زيادة الرواتب لفئة محددة من التجار بدلاً من أن تحقق أهدافها الاجتماعية والإنسانية. وهو الأمر الذي نستطيع أن نقول إنه حدث في الأيام التي تلت الإعلان عن الزيادة، إذ عبر الجميع عن خوفهم من سارقي فرحتهم بهذه الزيادة.
زيادة الرواتب جاءت في وقتها بعد أن اعتصر غلاء المعيشة أفئدة الناس وفرغ جيوبهم، ولهذه الزيادة أهداف سامية تخدم المجتمع وليست زيادة يتسلّمها الموظفون ليدفعوها إلى التجّار، لذا فالأمر يقتضي تعزيز الجهود من أجل مواجهة أي رفع غير منطقي في الأسعار خاصة في هذا التوقيت الحرج الذي سبق قبض تلك المكرمة.
لا نبالغ إن اعتبرنا غلاء المعيشة تحدياً فعلياً وحقيقياً للدولة لا يقل خطره وتداعياته عن أي تحد آخر سياسي واقتصادي، وبالتالي فإن المطالبة بوضع حد لهذا الغلاء من قبل الحكومة أولاً، ومن قبل ردود فعل المستهلكين ثانياً والذين نؤمن بأنهم أداة فاعلة لكبح ارتفاع الأسعار من خلال مقاطعة بعض السلع والامتناع عن شرائها والبحث عن بدائل أفضل منها، تعتبر مطالبة مشروعة وبانتظار نتائجها متى ما قام كل منهم بدوره.
أزمة الخبز، البيض، السكر، اللحم وغيرها من السلع كانت بعيدة عن مجتمعنا الخليجي كل البعد بعد الثروة النفطية، ولم نكن كمستهلكين عاديين نسمع بها إلا في المسلسلات العربية وفي الصحف التي تتحدث عن تلك الأزمات، فكيف دارت الأيام وأصبحت دولنا الخليجية التي تجني اليوم أعلى العوائد النفطية من الدول التي يشكو أفرادها من أزمات كهذه؟
دولة الإمارات تتصدر اليوم في النجاح السياسي والاقتصادي والاستثماري دولاً سبقتها في الإمكانات المادية والبشرية، وهي دولة خلقت بأسلوب إدارتها واجهة وسمعة متميزة للبلد في غضون سنوات قليلة، فهل تعجز اليوم عن إدارة أزمة ارتفاع الأسعار غير المبررة؟ وهل يعجز أفرادها عن تبني مواقف واضحة وصريحة تكف عنهم الغلاء بدل الاكتفاء بالشكوى والتذمر؟
نعتقد أننا كدولة وكأفراد قادرون على حل أزمة غلاء المعيشة متى ما وجدت الرغبة أولاً، ومتى ما كانت لدينا الإرادة ثانياً، عندها فقط نستطيع أن نوجد نموذجاً لإدارة أزمات اقتصادية معيشية تؤثر على حياة الشعوب، فيستلهم الغير من تجربتنا فيحذو حذونا كما فعل في الجوانب الأخرى، عندها لن نتسبب في خير لنا فحسب بل لشعوب خارج حدودنا!.
