يوم ستنتهي إجازة الأعياد للبحرينيين في 24 ديسمبر سيكون قد مر قرنان وتسع سنوات على ميلاد آدم ميتسكيفيتش، بطل حركة التحرير الوطني، شاعر بولندا العظيم في الحقبة الرومانسية، وأحد أعمدة الأدب السلوفيني. ما مناسبة الحديث؟ أمران يجعلاني أتذكر هذا الإنسان الكبير.
الأول، أنني في الشهر الماضي كنت في جمهورية بيلاروسيا التي تضم أراضيها الحالية مدينة نوفوغرودوك الجميلة التي ولد بالقرب منها، وهي تفخر به رغم انه بولندي الجنسية. والثاني، وهذا ما يخص موضوعنا، أن لهذا الشاعر قولا، ليس بالشعر، لكنه غدا من الحكم المأثورة على مر القرون.
بل إن هذا القول يتعلق بفلسفة التاريخ نفسه، لنقرأه يقول: «نحتاج شيئا ما أكثر من الموهبة لكي نفهم واقعنا، وشيئا ما أكثر من العبقرية لكي نتنبأ بالمستقبل. وما دون هذا وذاك يبدو وكأن من السهل جدا تفسير الماضي».
في البحرين حمل الأسبوع الماضي جدلا من المفيد الخوض فيه على مختلف المستويات، ومنها النظري والعملي. في لقائه الصحفي المسهب تحدث سمو رئيس الوزراء عن رؤيته لفترات من تاريخ البحرين.
وقد استحث حديثه، خصوصا عن الحقبة ما بين السبعينات ومنتصف التسعينات، مساهمة قوى وشخصيات سياسية في هذا الجدل. أصدرت جمعية الوفاق الوطني الإسلامية بيانا تحدثت فيه عن رؤية مغايرة لفترة التسعينات، وتحدث د. حسن مدن، رئيس جمعية المنبر التقدمي،
ثم البيان المشترك بين هذه الجمعية وأختها العمل الوطني الديمقراطي عن رؤيتهما المغايرة أيضا لمجريات السبعينات والثمانينات قبل وبعد حل المجلس الوطني السابق عام 1975. كما كتبت مقالات صحافية بهذا الصدد.
وهذا الجدل حول قراءة ومراجعة الماضي من مختلف وجهات النظر، صحي إذا سار بهدف الوصول إلى الحقيقة والاستفادة منه بالنسبة للحاضر والمستقبل. فالماضي ـ على حد قول أميرسون ـ مهيأ لأن يخدمنا، لكنه لن يكون كذلك إلا بتوافر شرط إخضاعه للحاضر.
وباعتبار أنه عندما يدور الحديث عن أحداث حقبتي ما قبل قيام وبعد حل المجلس الوطني، فإنه يدور حول فترة أوج المد اليساري في البحرين، وبالتالي فمن المهم أن يدلي ممثلو هذا التيار بدلوهم.
إذا ما انطلقنا بأن العلوم والأفكار والممارسات بعد أن تولد في مكان ما في العالم وعلى أيدي أشخاص من مختلف الأجناس لا تبقى حبيسة المنشأ،
بل تغدو مكونا من مكونات الحضارة الإنسانية العامة. ومن ذلك نعتقد جازمين أن الأفكار الاجتماعية العلمية والنزعة الأممية بما حققته من نجاحات وانتكاسات لم تعد محصورة بأي وطن وليست غريبة على أي وطن.
وهذا ينطبق على البحرين كما ينطبق على أي بلد في العالم. أكثر من ذلك فبما أن البحرين بطبيعتها كجزر مفتوحة على البحر، وبالتالي على العالم، وشكلت على مر القرون ملتقى لمختلف حضاراته وممرا لعبور تجارته بين القارات، ثم جاذبة للأيدي العاملة من مختلف البلدان حتى أصبحت تركيبتها السكانية أممية بالفعل، فإنها بمسار تطورها الحضاري الذي يفخر به البحرينيون جميعا،
وبتكوينها السكاني وبالتبلور المبكر للطبقة العاملة فيها، مهيأة إلى حد كبير لتقبل تلك الأفكار العالمية النزعة. ولعله لا يخفى على لبيب أنه لهذه الأسباب أيضا استطاعت مملكة البحرين، قبل كثير من البلدان العربية الأخرى، التفاعل مع متغيرات نهاية القرن السابق والدخول في عملية إصلاحية سارت بوتيرة متسارعة في السنوات الأولى ثم بتباطؤ شديد يحتاج إلى قوة دفع جديدة في السنوات الأخيرة.
أما حاملو هذه الأفكار أنفسهم أو القوى السياسية التي تمثلهم، فلم يصلوا إليها إلا عبر مسيرتهم الكفاحية الوطنية وارتقائهم السياسي الفكري من الوطنية إلى العالمية، وليس العكس. ومهما حلقوا عاليا للاغتناء من أفكار وتجارب «العالم الآخر» فلم تأخذهم الأوهام يوما بالانقطاع عن واقع شعبهم وحاجاته.
ومن الإجحاف بحقهم وحق العلم والتاريخ أن يتهموا يوما بأنهم قدموا أرواحهم أو غيبوا وعذبوا في السجون أو شردوا في المنافي، بسبب خدمتهم لقوى خارجية طامعة في الوطن، أو بسبب أجر تقاضوه! إنهم مناضلون تميزوا بجرأة وواقعية الطرح باستمرار.
ففي فترة الاحتلال البريطاني قاوموه بالقوة، وبعد الاستقلال رفعوا مطلب الديمقراطية في إطار الحكم القائم، وأقسم ممثلوهم على الدستور الذي لم يصنعوه هم، لكنهم استمروا على تمسكهم به حتى بعد تجميده. ولم يكن الخطأ في دعوتهم للبرلمان وبقية المؤسسات الديمقراطية، بل كان الخطأ في حل البرلمان ومصادرة الديمقراطية.
إذن فهؤلاء هم أهل الرأي والخبرة، وليس من دعا إلى العكس. ولو كان الأخير صحيحا فكيف سنسمي من دعا إلى عودة الديمقراطية ثانية لتتجسد في المشروع الإصلاحي القائم؟ كذلك فإنه لا يمكن اتهام من كان ضحية أحداث التسعينات بأن حركتهم كانت مجرد ارتباط بالخارج وليست نتاج الأوضاع الاجتماعية السياسية الداخلية.
ولا يمكن فهم الاحتماء الطائفي الذي تجسد منذ تلك الفترة إلا كنتيجة للتمييز الطائفي، وكلتاهما ظاهرتان سلبيتان في المجتمع. الذاكرة الشعبية تعرف جيدا أن الاتهامات بحق اليسار أطلقت في فترة ارتفاع أسعار النفط في السبعينات. آنذاك تولد وهم بأن «فيض المال» يمكن أن يمتص التناقضات الاجتماعية عن طريق ما سمي «بالرشوة الاجتماعية الكبرى».
وقد أثبتت الحياة خطأ هذا الاعتقاد. الآن نحن نعيش من جديد فورة أكبر من سابقاتها في ارتفاع أسعار النفط، ولا يجب أن يكون ذلك من جديد أيضا مدعاة للتراخي في الإصلاحات الديمقراطية فنكرر دورة تاريخية سبق وعشناها جميعا.
لا نتمنى أن ينطبق علينا قول الفيلسوف والكاتب الساخر برنارد شو بأن الدرس الوحيد الذي يمكن استخلاصه من التاريخ هو أن الناس لا تستخلص من التاريخ دروسا، أو قول لورنس بيتر بأن التاريخ يضطر إلى إعادة نفسه، لأنه لا أحد يسمعه.
لنتمعن أكثر في تساؤلات وإجابات فلاسفة كالروائي والناقد الأدبي الراحل أ. فرانس، الحائز على جائزة نوبل للأدب عام 1921: ما هو التاريخ؟ مجموعة أحاديث وعظات أخلاقية أم خليط جميل من قصص مسطرة وحكايا مسرودة، ذلك يعتمد على ما إذا كان المؤرخ فيلسوفا أم فنانا. هنا يمكن أن ترى نماذج ذكية من جميل الكلام، لكن لا مجال للبحث عن الحقيقة فيها.
فالحقيقة تكمن في كشف الروابط الضرورية بين الظواهر، في حين أن المؤرخ لا يستطيع الوصول إلى هذه الروابط، كما أنه مجرد من إمكانية تتبع كامل سلسلة الأسباب ـ النتائج. وفي مكان آخر إن التاريخ: سيظل ينقصه على الدوام ذلك الربط والتواصل اللذان لا معنى للمعرفة الحقيقية بدونهما.
كاتب بحريني