كما هي العادة دائما، كان العيد الوطني السادس والثلاثون لدولة الإمارات العربية المتحدة مناسبة للتوقف عند المسيرة الاتحادية وهي تدخل عامها السابع والثلاثين مقتربة من إتمام عقدها الرابع.
هذه المناسبة التي يرى الجيلُ الذي عايش مرحلة التأسيس الاحتفالَ بها فرصةً لاستعادة الحلم الذي أصبح واقعا، بينما ينظر إليها الجيل الذي لم يشهد البدايات نظرةً مختلفة ويحتفل بها على طريقته الخاصة،
جاءت كلمة صاحب السمو رئيس الدولة فيها مختلفة أيضا عن الكلمات التقليدية التي تعوّدها الشعب في مثل هذه المناسبات، حيث تخلصت إلى حد كبير من التقليدية وهي توازن بين استعراض المنجزات وبين الحديث عن بعض نواحي القصور على نحو غير معتاد في مثل هذه الكلمات الاحتفالية.
ورغم أن الحديث عن المنجزات حق لا نستطيع إنكاره، إلا أننا سوف نتجاوزه لنركز على الجوانب الأخرى التي تضمنتها الكلمة وهي تلفت النظر إلى وجوب سد النواقص وتداركها، في إشارة واضحة إلى أنها من إفرازات الطفرة التي قد تشوبها بعض السلبيات التي لا تقلل من قيمة العمل المنجز بقدر ما يشكل الاعتراف بها رغبة في الاقتراب من الكمال،
وهي رغبة تنم عن ارتفاع سقف الطموح واتساع دائرة الإرادة والتصميم على سد كل ثغرة كي يكتمل البناء وينضج العمل. أول ما يثير الانتباه في الخطاب هو عدم الرضا عن بعض الخدمات والجوانب التي قال عنها صاحب السمو رئيس الدولة، بعد أن تحدث عن الاستراتيجية الحكومية الشاملة: إن تركيز الضوء على الاستراتيجيات والرؤى المستقبلية
لا يعني حجب الرؤية عن الحاضر بتحدياته ومشكلاته، فالخدمات الصحية ومخرجات التعليم وسوق العمل وبرامج التوطين والسياسات السكانية وفاعلية الإعلام ورعاية الشباب على ما تحقق فيها من إنجاز، إلا أنها ما زالت دون سقف الطموح في معاييره الإماراتية، وبعيدة عن حجم ما ينفق عليها من مال وما يعقد عليها من آمال.
هذه الإشارة إلى القصور في النواحي التي تحدث عنها سموه هي أُولى خطوات تصحيح المسار، وهي إشارة تلتقي مع آراء المواطنين التي يعبرون عنها في وسائل الإعلام المختلفة عبر برامج البث المباشر، وعلى صفحات الصحف والمجلات،
وفي حواراتهم اليومية التي تتفق تماما مع رؤية صاحب السمو رئيس الدولة الذي وضع يده على الداء ووصف الدواء عندما قال: إن ما يواجهنا من تحديات لا يتمثل في ضعف الموارد فهي وفيرة، أو غياب الرؤى فهي حاضرة، وإنما في السلبيات ونقاط الضعف التي تنبهت لها الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، فشرعت في وضع نظم متكاملة لمتابعة الأداء ونشر ثقافة الجودة والتميز،
في تناغم تام مع الجهود المبذولة للرقي بنظم الرعاية الاجتماعية والصحية وتمكين المرأة ورفع كفاءة العاملين في القطاعات الثقافية والاجتماعية، ودعم منظمات المجتمع المدني والارتقاء بالإعلام.
وفي هذا الإطار أيضا جاء حديث سموه عن استراتيجية الحكومة الشاملة التي تنطلق من رؤى واضحة وأهداف واقعية تأسيسا لمرحلة جديدة غايتها الإنسان، ونهجها التنسيق بين كل ما هو اتحادي ومحلي، وتحديث آليات صنع القرار، ورفع كفاءة الأجهزة الحكومية وفاعليتها وقدرتها، وتقوية أُطرها التشريعية والقانونية والتنظيمية، وتنمية القدرات البشرية، والارتقاء بمستوى الخدمات.
وكي لا تظل الاستراتيجية حبرا على ورق، أشار سموه إلى أن معيار الجدارة ليس بما تضمنته من رؤى وأفكار، ولا بما سيخصص لها من موارد وأموال، وإنما بالقدرة على الالتزام بموجهاتها، وتجسيد مبادئها، وتعظيم الثقة في العنصرِ المواطن، وتحمل كل قطاع لمسؤولياته وواجباته.
فمقاصد الاستراتيجية لن تتحقق دون برامج حقيقية لتطوير قيادات وطنية شابة قادرة على ممارسة المسؤولية، وغاياتها لن تكتمل إلا إذا عمل القطاع الخاص كشريك كامل في عملية التنمية الوطنية. فنحن في دولة المؤسسات نتطلع لدور أكثر وضوحا وفعالية لهذا القطاع.
وقد وصف سموه دور القطاع الخاص بأنه دور إطاره المسؤولية نحو المجتمع، وغايته خلق المزيد من فرص العمل المشجعة والجاذبة للشباب المواطنين، ونقل المعرفة، واستيعاب التكنولوجيا الحديثة، وتوفير بيئة عمل صحية آمنة، وضمان حقوق العمال والرقي بجودة المنتجات والخدمات.
فجميعنا ـ سواء انتمينا للقطاع الحكومي أو القطاع الخاص أو مؤسسات النفع العام ـ شركاء في الحفاظ على هذا الوطن وتعزيز مسيرته وصون هويته وحماية مكتسباته. ولم يغفل الخطاب أهمية المشاركة الشعبية في صنع القرار،
عندما أشار إلى أن العام الاتحادي المنصرم شهد منعطفا مهما في طريق التمكين السياسي وتعميق الممارسة الديمقراطية بانعقاد المجلس الوطني في فصله التشريعي الرابع عشر، فكان نصف أعضائه من العناصر المنتخبة فيما تبوأت المرأة أكثر من 22 في المئة من مقاعده التي تضاعف عددها بما أضفى على التجربة ثراء وحيوية.
وكانت النقطة الأبرز هنا هي تأكيد صاحب السمو رئيس الدولة أنه ما زال على عهده قبل عامين أن يصل بالتجربة الديمقراطية إلى مقاصدها، بتوسيع نطاق المشاركة وتعزيز دور المجلس الوطني كسلطة تشريعية ورقابية.
واتساقا مع هذا التوجه ودعما له دعا سموه لبلورة برنامج وطني يهدف لتعزيز الهوية، وتعميق قيم الانتماء والمواطنة، وتوفير الظروف المجتمعية اللازمة لإبراز دولتنا كنموذج لمجتمع عصري متطور منفتح، يستمد مرجعيته من معتقداتنا وقيم شعبنا وواقع دولتنا وإرث آبائنا؛ برنامج يضع تصورا واضحا لأهداف التجربة الانتخابية وآلياتها وتوسيع صلاحيات المجلس الوطني.
موضوع الهوية الوطنية احتل مكانا بارزا في خطاب العيد الوطني وفي أكثر من موضع، خاصة عندما قال سموه إن الدولة تتطلع إلى مشروع حضاري شامل يستوعب الحديث دون إخلال بالأصيل بما يحفظ للوطن وجوده وللمواطن هويته وللمجتمع تماسكه،
فلا تساهل ولا تهاون مع كل ما يهدد قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا ولغتنا الوطنية التي هي قلب الهوية الوطنية ودرعها وروح الأمة وعنصر أصالتها ووعاء فكرها وتراثها. ومن هنا كان علينا أن نواجه آثار العولمة السلبية وخلل التركيبة السكانية، فإن أي مساس بالهوية هو مساس بالوطن وانتهاك لحرماته.
وشعورا بأهمية الهوية الوطنية التي أصبحت هما يشغل الغيورين على الوطن ويؤرقهم، فقد وجه سموه باعتماد العام الاتحادي الجديد عاما للهوية الوطنية بتعزيز عناصرها وتعميق مكوناتها وتكريس ممارساتها وتحديد مهدداتها، فمن لا هوية له لا وجود له في الحاضر ولا مكان له في المستقبل كما قال سموه.
كل هذه الجوانب في خطاب العيد الوطني هذا العام تلامس هموم مواطني الإمارات وتلتقي مع اهتماماتهم، لهذا نقول إن خطاب هذا العام جاء واقعيا ومختلفا عن الخطابات التقليدية، ليشكل منهج عمل وخارطة طريق للمرحلة المقبلة من العمل الوطني الذي يتطلب الكثير من الصراحة والشفافية كما فعل صاحب السمو رئيس الدولة، وكما يجب علينا جميعا أن نفعل.
كاتب إماراتي
