التفسير الرسمي الفلسطيني لأوسلو كان أنه يتكون من مرحلتين: انتقالية باستحقاقاتها المختلفة وخاصة على صعيد تطبيق الحكم الذاتي للفلسطينيين في الضفة والقطاع، وان تستمر هذه المرحلة مدة خمس سنوات تسلم إسرائيل في إطارها معظم الأراضي المحتلة إلى السلطة الفلسطينية التي يجب أن تصل نسبتها إلى نحو 90% من المساحة الإجمالية.

والمرحلة الدائمة التي كان يجب أن تبدأ مفاوضاتها بعد خمس سنوات من المرحلة الأولى، حول القضايا الفلسطينية الجوهرية المؤجلة، على أن تنتهي المرحلة بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الرابع من مايو 1999.

أما التفسير الإسرائيلي لأوسلو فكان مختلفا تماماً، حيث يتحدث فقط عن حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة والقطاع في المرحلة الانتقالية، وعن تسوية دائمة للقضايا المؤجلة في المرحلة الثانية دون أي إشارة إلى استقلال فلسطيني في إطار دولة. فما الذي حدث على مدى سنوات المفاوضات السابقة إذن؟

العنوان الكبير الذي ميز المرحلة السابقة من عمر عملية المفاوضات الذي يمكن أن نضع تحته خطوطاً مشددة بلا نهاية، هو: المتاهات، حيث خضع الفلسطينيون والعرب للعبة الإسرائيلية المعروفة والمخبورة جيداً، لعبة المماطلة والتسويف والتتويه والتفكيك والانتقال من الجوهري إلى الهامشي

ومن الأساسي إلى الإجرائي، حيث فرض رابين في عهده ـ على سبيل المثال ـ هذه اللعبة على الفلسطينيين حينما أخذ يتفلت ويتهرب تباعاً من استحقاقات المرحلة الانتقالية، وخاصة على صعيد الانسحاب من الأراضي، ورفع شعاره المعروف بـ «أن لا مواعيد مقدسة لديه».

فيما دخلت إسرائيل والمنطقة في مفترق طرق بعد اغتيال رابين، لتصبح عملية السلام كلها في مهب الرياح الإسرائيلية. ثم جاء الجنرال نتنياهو ليفرض على الفلسطينيين والعرب الدخول مرة أخرى في نفق المتاهات وفقدان البوصلة والتوجهات والمرجعيات وأوراق الضغط و«ليس هناك مواعيد مقدسة».

وهكذا تواصل المشهد أيضاً في ظل حكومات باراك، وشارون، وهكذا يتواصل المشهد الآن في ظل حكومة اولمرت التي تواصل طريق شارون. ولذلك نطل تحليليا على مؤتمر انابوليس وتداعياته وسيناريوهاته المختلفة، في ضوء تجارب السنوات السابقة العقيمة من المفاوضات، إذ أعطى «قادة إسرائيل» المصطلح «المواعيد غير مقدسة» تفسيرات أكثر اتساعا،

لدرجة أن أصبح هذا المصطلح نفسه لديهم بلا سقف وبلا مساحة وبلا حدود، إذ وفقا لأوسلو كان من المفترض أن تتأسس الدولة الفلسطينية حتى مايو 1999، أما خريطة الطريق فقد نصت على وجوب إنهاء الصراع حتى نهاية 2005،

ولكن كل القادة الاسرائيليين لم يتجاهلوا فقط «المواعيد والجداول الزمنية»، وإنما ذهبوا ابعد من ذلك بتوسيع نطاق حروبهم ومجازرهم ضد الشعب الفلسطيني بهدف إلغاء وشطب كافة الاتفاقيات التي وقعت مع الفلسطينيين.

ونتوقف اليوم بعد انقضاء أربعة عشر عاما على اوسلو ونظرية رابين في «المواعيد غير المقدسة» وما بين انابوليس و«الجداول غير المقدسة» لدى أولمرت وباراك وليفني وأجهزة الأمن الإسرائيلية المختلفة لنثبت: انه من الواضح الموثق أن هناك إجماعا بين القادة الإسرائيليين على قصة «المواعيد والجداول الزمنية غير المقدسة وغير الملزمة»

في كل ما يتعلق بالتفاهمات أو الاتفاقيات مع الفلسطينيين، أو حتى بالاتفاقيات التي يجري التوصل إليها في المؤتمرات السلامية مثل انابوليس! فتصوروا أي مؤتمر ذلك الذي يستبعد فيه أولمرت حدوث اتفاق سلام مع الفلسطينيين في القريب العاجل، مرجحاً أن يستغرق انجاز هذا الاتفاق ما بين 20 إلى 30 عاما (26/ 09/ 2007)،

وأي مؤتمر ذاك الذي يؤكد قبله الجنرال باراك انه لن يتم التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين قبل خمس سنوات، وأي مؤتمر ذاك الذي يسبقه حسم الجنرال شاؤول موفاز وزير الحرب الإسرائيلي السابق الذي أعلن: لا اعتقد أننا من الممكن أن نتوصل مع القيادة الفلسطينية الحالية إلى اتفاق سلام، وسنضطر لانتظار الجيل القادم من الفلسطينيين، وأكثر ما يمكن أن ننتظره حاليا هو ربما تسوية انتقالية واحدة.

ولذلك نتوقف اضطرارا هنا أمام ذلك التفاؤل الفلسطيني غير الطبيعي من انابوليس، حيث يعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن مؤتمر انابوليس للسلام يشكل فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط (12/ 11/ 2007)، وأن المؤتمر الدولي في انابوليس وضع القطار «على السكة» لقيام دولة فلسطينية مستقلة (29/ 11/ 2007)،

ثم ليأتي صائب عريقات رئيس دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير ليذهب ابعد من كل ذلك، بإعلانه أن مرحلة جديدة قد بدأت في التاريخ الفلسطيني بعد مؤتمر انابوليس (29/ 11/ 2007)، وذلك على خلاف اولمرت الذي قالها بصراحة: إن مؤتمر انابوليس لم يكن نقطة تحول تاريخية بل نقطة انطلاق مساعدة،

مشيراً إلى أن المفاوضات ستكون صعبة ومعقدة بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، وستحتاج إلى قدر كبير من الصبر (29-11-2007)، مضيفا لاحقا: لا أتوقع التوصل إلى تسوية دائمة مع الفلسطينيين حتى نهاية العام 2008.

فهل الأمور يا ترى فعلا كما يراها أقطاب التفاوض الفلسطينيون؟ أم أن كل هذه التصريحات علاقات عامة؟ أم أنها أوهام لا تعكس سوى أحلام الضعيف العاجز؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟! والاهم ماذا يقول أقطاب إسرائيل في هذه المسألة؟!

كان رئيس الوزراء الإسرائيلي اولمرت أول من نفى أن يكون قد التزم «جدولا زمنيا نهائيا» للمفاوضات مع الفلسطينيين التي انطلقت رسميا في انابوليس، وأكد قطعا ليس هناك التزام بجدول زمني نهائي لهذه المفاوضات، وبينما أعرب وزير الشؤون الاستراتيجية افيغدور ليبرمان عن شكوكه في التوصل إلى تسوية قبل نهاية 2008،

اعتبر آفي ديختر وزير الأمن الداخلي أن الجدول الزمني الذي تم تحديده في انابوليس غير واقعي (هآرتس 28/ 11/ 2007)، في حين أدلت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية كعادتها بدلوها في حسم الموقف الإسرائيلي من مسألة المواعيد والجداول الزمنية،

فكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» (الاثنين 26/ 11/ 2007) عشية المؤتمر أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) وشعبة الاستخبارات العسكرية حذرا من مخاطر توصل إسرائيل والسلطة الفلسطينية إلى جدول زمني لاتفاق دائم لحل الصراع بين الجانبين،

لأن هذا أمر خطير بالنسبة لإسرائيل، وأوصى ديسكين ويدلين الحكومة الإسرائيلية أيضا بـ «المماطلة أطول وقت ممكن» في تطبيق المرحلة الأولى من خريطة الطريق، أي بمحاربة الجانب الفلسطيني «للإرهاب».

غير ان وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني كانت الأوضح حينما بررت رفض إسرائيل بحث قضايا الجوهر قبيل انابوليس بعدم تكبيل يديها مستقبلا، معتبرة أن الاستجابة للمطلب الفلسطيني بجدول زمني ملزم للمفاوضات بعد انابوليس يعني بالنسبة لها إجراء تفاوض وسط توجيه مسدس نحو رأسها.

وعلى نحو متكامل في مسألة المواعيد والجداول كشفت وسائل إعلام عبرية النقاب عن ممارسة وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني ضغوطاً على الإدارة الأميركية، لكي لا يقوم مجلس الأمن بأي تصويت على مشروع قرار يهدف لدعم القرارات التي اتخذت في انابوليس.

وأشارت إذاعة الجيش الإسرائيلي إلى أن ضغوط ليفني جاءت خشيةً من أن تصبح إسرائيل مرغمة على تطبيق تعهداتها وفق الجدول الزمني الذي حدد نهاية 2008 للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين.

إذن، نحن في الحقيقة أمام مشهد سياسي ومسار تفاوضي عقيم حينما تكون كل المفاوضات والمؤتمرات السلامية بلا «جداول زمنية» ملزمة، وبلا «مواعيد مقدسة» تحترمها الأطراف، فنحن بالتالي أمام طريق مسدود حتما، وأمام مفاوضات عقيمة متأزمة تتنفس تحت الماء،

وأمام خيبات أمل فلسطينية وعربية متلاحقة، وحسابات فلسطينية مرتبكة، لم تتطابق فيها أبداً حسابات الحقل مع حسابات البيدر، الأمر الذي يبقي الملفات مفتوحة على كافة الاحتمالات بما فيها الاحتمال المرجح دائما في ظل الاحتلال بلا أفق سياسي استقلالي، وهو حتما الانتفاضات والمواجهات واسعة النطاق.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com