لابد أولاً من التطرق لمفهوم الدولة الصغيرة ثم مقوماتها. هي الدولة ذات المساحة المحدودة وعدد السكان القليل، فهناك دول كبرى ودول متوسطة، ودول صغرى، فلبنان من الدول الصغيرة أو الصغرى، لكن الأمر لا يقتصر على المساحة وعدد السكان، فهناك مقومات أخرى مهمة.
وهي الموقع الاستراتيجي والموارد، فأهمية الموقع الاستراتيجي والموارد تعوض دولاً صغيرة عن مساحتها المحدودة وعدد سكانها القليل، وهذه تتوفر لبعض الدول الصغرى وليس جميعها، وهنا لابد من الإشارة إلى أن هناك فارقاً بين مصطلح الدول الصغيرة والدول الصغرى، فالصغيرة بمساحتها وسكانها، والصغرى قد لا تكون كذلك.
وفي حالات عديدة هناك دول صغرى لكن أهمية موقعها الاستراتيجي ومواردها تفوق أهمية دول متوسطة الحجم أو حتى كبرى، والدول العربية تتكون من دول متوسطة الحجم وصغرى، وعلى مستوى العالم العربي والإقليمي دول كبيرة ومتوسطة وصغيرة فمصر والسودان والجزائر وسوريا والعراق والسعودية دول كبيرة، ولبنان والكويت وتونس والأردن ودول خليجية أخرى صغيرة،
وليبيا والمغرب واليمن وموريتانيا دول متوسطة. وموضوعنا هنا هو لبنان، مساحة لبنان 15 كيلومترا مربعا، وعدد سكانه 5 ملايين نسمة، وهو بذلك يقع ضمن الدول الصغرى في العالم العربي أو في الشرق الأوسط، لكن دراسة تاريخ لبنان الحديث والمعاصر،
وصراع القوى الإقليمية والدولية عليه أو حوله وتأثره به دليل على أهمية هذا البلد في المنطقة وفي العالم والدليل ما نراه اليوم حول الوضع السياسي في لبنان. الاتحاد الأوروبي وفرنسا وأسبانيا وإيطاليا وقوى إقليمية مهتمة باختيار رئيس للبنان. ما هي الحكاية؟
لماذا هذا الاهتمام والجري المحموم؟ هل تم تدويل لبنان؟ أم أن لبنان خطير في سياسة الشرق الأوسط مما يجعل جميع هذه القوى تتسابق لحل يناسبها بالاستحقاق الرئاسي في لبنان؟ هل هناك مصالح اقتصادية لأوروبا في لبنان؟ هل ذلك التحرك لنصرة المسيحيين وبخاصة الكاثوليك المارونيين في لبنان؟
لقد سبق للولايات المتحدة أن قالت إن لبنان مفتاح الشرق الأوسط، وسبق لفرنسا ولا تزال مهتمة بأوضاع لبنان وثقافتها فيه، وسبق لإسرائيل أن غزت لبنان عدة مرات، ثم تدخل اسبانيا وإيطاليا على الخط في المسألة اللبنانية من منطلق أن هذه دول مع فرنسا في حوض البحر المتوسط يهمها أمن دوله! ثم إقليمياً تدخل واهتمام سوريا، إسرائيل، إيران بالوضع اللبناني.
هذا البلد الصغير يبدو كبيراً وخطيراً في أمن المنطقة، ومصالح القوى المختلفة فيه. كل تلك القوى تتحدث عن جهودها لإنقاذ لبنان من الفوضى والفلتان الأمني والصراع إذا لم تحسم قضية رئيس الجمهورية بتوافق ترئيسه لكن في الحقيقة فإن أسباب ذلك السباق المحموم أكبر وأخطر وأعمق
وقبل مناقشة تلك الأسباب نثير سؤالاً يحتاج إلى إجابة أين تلك القوى الدولية والإقليمية عندما كان لبنان يذبح في حروبه الأهلية من جهة، عندما كانت إسرائيل تجتاح أراضيه عام 1982 وعام 2006؟! لقد تركوا لبنان يدمر ويذبح شعبه، ولم يحرك أحد ساكناً كانوا يتفرجون، والآن لاختيار رئيس للجمهورية في لبنان يتكالبون ويتسابقون ويتنافسون!
لقد قدمنا الأسباب الدولية على الإقليمية لأن الواقع التاريخي يؤكد ذلك، فبالرجوع إلى الحرب الأهلية اللبنانية الأولى في أربعينات وستينات القرن التاسع عشر وجدنا الإنجليز كانوا وراء الدروز، والفرنسيون وراء المارونيين المسيحيين في صراعهما،
ثم الأميركان والفرنسيون ودورهم في الحرب الأهلية اللبنانية الثانية في نهاية الخمسينات ثم الأميركان والفرنسيون والأوروبيون الآخرون في الحرب الأهلية اللبنانية الثالثة منذ عام 1976 حتى نهاية الثمانينات من القرن العشرين. أما على المستوى الإقليمي فكان ولا يزال لبنان مجال الاستقطاب والتدخل من قبل هذه القوى، مثل إسرائيل وسوريا والفصائل الفلسطينية ودول عربية أخرى.
الأسباب الدولية للاهتمام بلبنان:
1 ـ لبنان بلد الأقليات الدينية السياسية، والثقافية وتنعكس أوضاعه سلماً أو حرباً على امتدادات القوى خارج حدوده.
2 ـ الشعب اللبناني شعب مهاجر، فهناك نصف الشعب اللبناني في المهجر حول العالم، وهناك لبنانيون مؤثرون سياسياً واقتصادياً على سياسات عدد من الدول لها انعكاساتها على لبنان.
3 ـ لبنان بلد تجاري وبخاصة تجارة (الترانزيت) ليس للقوة الشرائية والاستهلاكية فيه ولكن جسر عبور ومرور للتجارة بكل أنواعها إلى دول الشرق الأوسط وأوروبا.
4 ـ لبنان يقع على حدود إسرائيل الشمالية، ووجود لاجئين فلسطينيين بأعداد كبيرة فيه يجعل العديد من الدول المتحالفة والمتعاطفة مع إسرائيل تهتم لكل ما يجري في هذا البلد كما أن أمنه مرتبط من وجهة نظر تلك القوى الدولية بأمن إسرائيل، إضافة إلى الموقف في سوريا التي ترى لها مصالح استراتيجية سياسية اقتصادية في لبنان.
الثمن الذي يدفعه لبنان
إن قدر لبنان هو موقعه الاستراتيجي، وطبيعة تكوينه اللاتيني ولذلك الواقع ثمن يدفعه لبنان، حيث أصبح ساحة للتدخلات الخارجية والاستقطاب، وأصبحت القوى السياسية والاجتماعية فيه لا تعيش إلا بالاستقواء والمساندة من الخارج دوليا وإقليمياً، وتسوء أوضاعه كلما كانت الأوضاع المحيط به على المستوى الإقليمي سيئة.
وكثيراً ما كانت الأزمات التي تقع في الدول المحيطة به تنعكس عليه سلباً، ودفع اللبنانيون أثمانا باهظة بشرياً واقتصادياً في حروب أهلية مدمرة ثلاث، وقد دخلت على الدول المؤثرة في أوضاعه قوى ومعادلات جديدة بمرور الوقت مثل التأثير الإيراني الحالي الذي لم يكن من عناصر التأثير الإقليمي في السابق. وأصبح لبنان كما يبدو لا يستطيع الفكاك من التعقيد الإقليمي الدولي الذي وقع فيه وثمنه غالياً جداً.
الحل إما الحياد أو الاتحاد
وأمام هذا الوضع الاثني والاستقطابي والتأثير للخارج على أوضاعه ما العمل وما الحل للبنان هذا البلد الذي كان جميلاً وديمقراطياً وواحة للحرية والتعايش السلمي الاجتماعي. ليس لدينا حل سحري، ولا نزايد على فكر اللبنانيين ومقدرة نخبهم المفكرة في مواجهة مشكلات بلادهم، لكن لبنان يهم كل عربي كما يهمنا أي بلد عربي.
إن حياد الدول الصغرى ربما يحميها من تأثير القوى الأخرى إقليمياً ودولياً لكن المهم أن تتعايش قوى الداخل اللبناني حتى تمنع تدخلات الخارج. وحياد لبنان بيد شعبه وليس تدويلاً. أما الحل الآخر هو اتحاد الدول الصغرى في المنطقة مع الاحتفاظ بخصوصيتها
كخط دفاع أساسي وأمامي لمواجهة التدخلات وعدم الاستقرار واستنزاف طاقات البلد البشرية والاقتصادية ولو ترك اللبنانيون يعالجون شأنهم بأنفسهم لوجدوا حلاً ولرسموا خارطة الطريق لمأزق البلاد وعندها لن يكون لبنان صغيراً بل كبير.
كاتب كويتي